يجب ان نعترف بوجود مشكلة خطيرة تراكمت عبر سنوات، لكنها اليوم تتفاقم وتنمو بشكل يدعونا للتحرك السريع، هذه المشكلة تعاني منها الكثير من بيوت الاسر المواطنة وتتعلق بعدم قدرة هذه الاسر على ضبط سلوكيات ابنائها الطلاب (الذكور تحديداً) تجاه المدرسة، سواء ما يتعلق بالتزامهم بمواعيد الدوام الصباحي، أو بانضباطهم تجاه المدرسة بشكل عام. ونعلم بأنها ظاهرة قديمة جداً، ولها جذورها ونتائجها، لكنها اليوم اصبحت حالة متردية وميئوساً منها، ونتائجها تنعكس سلباً على مستقبل اجيال من شباب هذا الوطن، ففي الوقت الذي نعترف فيه بوجود اشكالية تنموية فيما يتعلق بالجانب البشري في ظل مأزق التركيبة السكانية المتفاقم، تصبح ظاهرة تسرب الطلاب من المدارس وبشكل متزايد في صلب موضوع التنمية، وتكون من الخطورة بحيث لا يجب ان تمر هكذا كما مرت طيلة السنوات الماضية، مكتفين بعلاجها عن طريق ندوة أو حديث تلفزيوني، فالمسألة تتعلق بأمن مجتمع، ومستقبل دولة. ان المغريات التي تجذب الشاب للفضاء الخارجي بعيداً عن المنزل والمدرسة كثيرة ونعلمها جميعاً، ولنلقي نظرة عاجلة على عدد مقاهي الشيشة في احدى المناطق السكنية، ثم لنتابع حركة رواد المقهى وجنسياتهم واعمارهم وعدد الساعات التي يقضونها في المقهى، لنكتشف مدى خطورة هذا الوباء على الشباب وتأثيره على علاقتهم بأسرهم ومدارسهم، وكم تحدث المتحدثون، وقال رجال الاعلام وكتبت الصحف ونصح الوعاظ، لكن شيئاً لم يتغير ابداً، بل العكس تماماً، وعلى سبيل المثال فقط نذكر بأنه في عام 1997 كان هناك (19) مقهى في احدى الامارات اصبحت بحلول العام 2000 (420) مقهى تقدم الشيشة السامة الفتاكة لشباب تقل اعمارهم احيانا عن 12 سنة، مخالفة بذلك كل القوانين العالمية والصحية والاجتماعية والدينية في مقابل الربح المادي! هؤلاء الصغار الذين تتوفر لهم مغريات اضاعة الوقت بأشكال مختلفة كمقاهي الشيشة، ومحلات الألعاب الالكترونية، ومقاهي الانترنت بما تحويه من مواقع خليعة مع وفرة مادية في ظل ضعف شديد للرقابة الاسرية، وعدم مقدرة المدرسة على اجتذاب الطالب إلى فضائها وخياراتها بسبب جمود البيئة المدرسية، وجمود المناهج المقدمة، وعدم وجود خطة أنشطة وهوايات كالتي نسمع عنها في بعض المدارس الخاصة مثل السباحة وركوب الخيل و.. الخ، هذا كله يقود الى حالة قطيعة نفسية بين الطالب ومدرسته، ثم تتحول القطيعة الى حالة هروب وتسرب وتأخر مستمر إلى أن تتم عملية الفصل النهائي الذي يسعى اليه الطالب ويخطط له ليرتاح من التزامه الذي يزعجه تجاه المدرسة. الان لنسأل: ماذا استفادت المدرسة من فصل هؤلاء الطلاب؟ وللمناسبة فأعدادهم تتزايد يوماً بعد يوم، لقد اختارت المدرسة اسهل الحلول وابسطها وبحسب قوانيها الداخلية، لكنها ولدت مشكلة اخرى في المقابل، هي وجود اعداد من الشباب الذين سيتحولون بعد مدة الى احداث، أو عاطلين عن العمل لأنهم بالتأكيد لن يجدوا عملاً بسبب مستوياتهم الدراسية المتدنية، كما انهم تحولوا الى عبء على اسرهم التي ربما كانت بحاجة اليهم كطاقات منتجة عاملة، وليس كأشخاص متسربين من مدارسهم يمارسون حالة من (التنبلة) يسهرون طوال الليل وينامون طوال النهار، مادين أيديهم إلى أمهاتهم بشكل مستمر! اننا فتحنا لهؤلاء كل آفاق اللهو والعبث، ويسّرنا لهم وسائل اضاعة الوقت، وجعلنا مقاهي الشيشة في متناول الجميع بلا ضوابط ابداً، وكذلك الانترنت، مع اسر فقدت قدراتها التأثيرية التربوية عليهم، ثم جئنا نعاقبهم على ما يسرناه لهم، وكان عقابنا شديداً، وقاتلاً ايضا، فما هي النتيجة؟ نحن لا نقول بأنه يتوجب على المدرسة ان تتهاون معهم وان تتركهم يفعلون ما يشاءون دون عقاب، لكن هل الحل في الفصل من المدرسة، ألا يمكن مراجعة (نظرية الفصل) هذه في ظل هذا الواقع الضاغط عليهم؟ نتمنى لو تدرس ظاهرة فصل الشباب من مدارسهم، وتأثيراتها الامنية والاجتماعية، وانعكاساتها على مشروع التنمية البشرية بأكمله. aishasultan@hotmail.com