ثمّة ما يغري بمكاشفة الذات في حضرة الطبيعة. وتلك رغبة نحققها حين يستبد بنا الشوق للانعتاق من دائرة العمل اليومي التي تجهدنا بأمور تمسّنا غالباً، وتُشغلنا أحياناً بمسائل تهبط علينا كأقدار لا فكاك منها، بحيث نغدو معها عاجزين عن تنفس جرعة من الهواء. ولعل سكون الطبيعة البكر، هو ما يجعلها متلازمة مع انبثاق حالات من نقاء السريرة وصفاء الرؤية. هكذا إذن، تتولد الحماسة نحو رحلة عنوانها؛ بحث الفرد عن كينونته الأصل، وإعادة قراءة العلاقات الإنسانية بشفافية، وخاصة بين المنخرطين في معترك مهنة المتاعب اللذيذة! فعلى مدى يومين، اصطحبنا نادي دبي للصحافة في رحلة الى صحراء دبي وجبال الحجر في «حتا». كنا ثلة من الزملاء ننتسب الى وسائل إعلامية مختلفة وننحدر من بيئات وجنسيات متنوعة، وكان معنا من جاء مع أسرته وأصدقائه. وقد آلف بيننا التوق الى الاكتشاف والتجربة، لكن الأجمل في ذلك اللقاء الذي مر سريعاً ان عملية تفاعلٍ قد حدثت بين مجموعة من البشر شاءوا أن يزيلوا الأقنعة عن وجوههم ويكشفوا الستائر عن قلوبهم.. وفي لحظة ما أحسسنا بأننا متآلفون في بوتقة واحدة اسمها: أبناء المهنة، وقد ذابت معها كل «الصراعات التنافسية» و«التعصب المؤسسي»! كل ذلك فتح النوافذ والأبواب ليتجلّى معنى الفرح الفطري الذي اتخذ أشكالاً طفولية بريئة في أغلب الأوقات. فالجميع لعب ورقص وغنى، وكل منا شارك في صناعة الغبطة على طريقته، أما «الخجولون» فلم يفوّتوا الفرصة للتعبير عن انسجامهم مع الأمسية البديعة التي اشتعلت نارها حتى طلوع الصباح. وإذ امتزجت البهجة بالفائدة، فقد تزيّنت السهرة أيضا بالفكاهة متعددة الجنسية التي غلبت عليها الطرفة الصعيدية والنكتة الحمصية، ولم يغب طبعاً «ابو العبد» البيروتي وقصصه الظريفة. وذلك وسط «تنافس محموم» بين أبناء بلاد الشام وأرض الفراعنة، الذي شكّلت فيه الضحكة الطويلة والصمت «الفيصل» في نجاح هذا أو فشل ذاك في إيصال طرفته. وبين براعة «منى» في قيادة أوركسترا الأمسية ولباقتها المرتكزة الى الخبرة في ابتكار الافكار والفعاليات، وألمعية «نادر» في تقديم التسلية المفيدة، وديناميكية «علي» الجندي المجهول الذي رأيناه يتفقد احوال الضيوف متنقلاً بين أرجاء المخيم ، وحضور «سعيد» المحبب والمثير للجدل بألوانه المزركشة، وقفشات بعض «المشاغبين» الظرفاء، كان صوت «صالح» يصدح عالياً بين الحين والآخر فتهتف معه الحناجر، وتتمايل الأجساد ويعلو التصفيق في فضاء الصحراء اللامتناهي. وغني عن القول، إن قيادة الرحلة وأسلوب برمجتها قد أسّسا لسهرة ممتعة، خاصة انها جاءت بعد بداية مدهشة خضنا خلالها مغامراتنا بالسيارات ذات الدفع الرباعي على جبال الرمال الحمراء المتمايلة وفق أشكال هندسية فريدة، وكانت الأصوات تعلو أمام كل صعود وقمة، فيما القلوب كانت تنخفض عند كل منحدر وهاوية!!.. حتى أن «سعيد» ظل متشبثاً بثياب زميله وممسكاً بيده طوال وقت المغامرة الجريئة! ومن جبال الرمل انطلق موكب ابيض منظم انسابت فيه السيارات كأنها قافلة تنهب الكثبان الرملية صعوداً وهبوطاً، ومع وصولنا الى المخيم اندلعت الألعاب النارية إيذاناً ببدء السهرة. تلك الليلة لم يقتصر الأمر على المرح والتسلية، فقد أضفت النقاشات السياسية والاجتماعية حرارة من نوع آخر على الأجواء، وجعلت من السهرة مكتملة العناصر حقاً، لكأن أهل الصحافة لا يهدأ لهم بال دون ان ينبشوا ما في دواخلهم من هموم قومية ووطنية واجتماعية.. فحضرت فلسطين وهي التي لم تغب يوماً عن وجدان أي فرد يعيش تحت فضاء الجغرافيا العربية، كما استذكر المتحاورون انتصار مقاومة لبنان على الاحتلال الاسرائيلي وأهمية أن تظل وانتفاضة فلسطين نموذجين يحتذى بهما لتحقيق نصر عربي مقبل. بعض الناس حاولوا النوم، لكنهم ظلوا يسمعون هذه النواقيس التي كانت ترن عالية حول الظلم والطغيان اللذين يرزح تحت ثقلهما شعب فلسطين، فيما الصمت والهوان هما سمة الزمن العربي الراهن، والعدالة الدولية أسيرة العين الواحدة. بين فرح وشجن، مضى وقت الترحال، لكنه كان زمناً اختصر انفعالاتنا كلها: حلوها ومرّها، لهوها وجدّها، راحتها وتعبها، والخلاصة كانت إنسانية بامتياز، لم تفرق بين رئيس تحرير ومحرر أو مدير وموظف أو قائد رحلة وسائق.. كل هؤلاء كانوا هناك، من مشارب وأفكار وأعمار مختلفة احتضنتهم المساحات الرملية الحمراء وجبال الحجر متعددة الأشكال والأحجام والألوان، ومضوا بعيداً في فضاءات الألفة والمودّة والصداقة، غير آبهين بمشقّات الرحلة، فلقد صارت المتاعب جزءاً من حياتهم يحدوهم في ذلك البحث عن الجديد والمغامرة غير المألوفة.