يبدو ان هذا الزمن المفتوح، بعولمته، وتواصله، وتلاقي اطرافه، وجهاته الأربع، يريد ان يثبت لنا صدق المقولة القديمة التي يرددها الاعلاميون كثيرا ويتواصلون بها وعلى حسها، وهي ان «مصائب قوم عند قوم فوائد». ففي هذا الزمن، المتلاحق بالكوارث، والمآسي، والحروب، تكبر فئة على حساب اخرى لانها عرفت كيف تستثمر المصيبة والموت والمأساة، وعملت جاهدة بشتى الوسائل لتحويلها الى تجارة رابحة وأرقام تتصاعد بشكل مثير. لقد أصبحت المأساة لغة عمل يومية يتصارع في سبيلها الكثيرون، كل مستفيد، وكل يعرف من اين تؤكل الكتف، حتى ان من يتابع الاخبار اليومية التي تطيّرها وكالات الأنباء العالمية هنا وهناك يكتشف تلك اللغة التي اعنيها. وحتى لا اقف عند مفصل الاستفادة والافادة من المصائب ألتقط حكاية من هنا وأخرى من هناك وأترك القاريء العزيز مع عولمة المصائب والمآسي التي تطرق أبواب العالم اليوم.. ففي تايوان اصبحت المغامرات العاطفية لنائبة تايوانية مع عشيقها المتزوج والتي صورت دون علمها من ابرز مواضيع البحث على الانترنت. فقد اشار موقع ليكوس ان البحث عن معلومات حول شوماي فينج تضاعف 15 مرة واحتل المرتبة الاولى بالنسبة لعدد رواد الانترنت في حين لم يكن الا في المرتبة الخامسة والاربعين قبل اسبوع، وهي نتيجة اثارت دهشة المسئولين عن محرك البحث، هذا الذي يعد اسبوعيا ترتيب المواضيع الخمسين الاكثر اثارة بالنسبة لرواد شبكة الانترنت. اما ما حدث في افغانستان فهو مثير، فبعد الخراب الذي حلّ بهذه الدولة المرهقة بالمرارة والمصائب التي لم تأت فرادى ـ كما يقال ـ بدأت السوق تستوعب تجارة جديدة عندما اعلن قائد افغاني من اصحاب الرتب المتدنية في قوات تحالف الشمال يدعى خطار امام الصحفيين ان لديه ثلاثة سجناء باكستانيين للبيع لقاء مبلغ قدره 2500 دولار قابل للتخفيض. واذا ما اتجهنا الى عالم الموضة والأزياء فسنجد ان الآلة الاعلامية الامريكية والغربية بدأت تستثمر مصيبة افغانستان بشكل مثير، عندما اعلنت دور الازياء العالمية انها استوحت من جبال افغانستان وسهولها لون هذا العام والذي سيركز خلاله المصممون على ألوان طبيعة الجبال الافغانية المتدرجة بألوانها المثيرة، وحتى تكون الحكاية ليست مجرد تصريحات في الهواء تم اختيار رئيس الحكومة الافغانية المؤقتة حامد قرضاي اكثر الرجال اناقة في العالم. ولم يكذب الرجل خبرا فقد ظهر بشكل ملفت امام العالم بعباءة افغانية ذات خطوط خضراء وارجوانية عندما زار واشنطن ولندن وبعض العواصم الاوروبية وكأنه أراد ان يقول أنا هنا، إلا ان الاشادة بأناقة قرضاي أتت هذه المرة من الصين عندما اشار الرئيس الصيني جيانج زيمين في لفتة مجاملة لقرضاي الى ان عباءته الشهيرة وقبعته المصنوعة من الفراء اصبحتا أحدث موضة. واذا كان جيانج في لفتته تلك يشير الى الموضة فإنه يعني حال العالم وأفكار أولئك المصممين الذين يستثمرون كل شيء ويسرقون احيانا كثيرة فكر وتعب وتراث حضارات اخرى، فقد كانت الصين لفترات طويلة تفخر بحلة ماو التي سرقها مصممو الأزياء ونشروها في العالم. وهذا ايضا ما جعل المصمم الايطالي العالمي جورجيو ارماني الذي قدم للعالم اشهر وأغلى الملابس يصرخ اخيرا ويقول انه ضجر من البذخ والترف، فقد اشار أرماني في مقتطفات نشرتها الصحف الايطالية بعد ان عرض مجموعته الرجالية في ميلانو والتي بدا واضحا فيها تأثره بملابس الطبقة العاملة وما يرتديه عمال المناجم والجنود «أريد ان اعلن وفائي للعمال وتقديري لبساطتهم ووضوحهم» معلقا على مجموعته بعد العرض والتي تضمنت القبعات المفلطحة والجزم العسكرية ومعاطف عمال المناجم. وتضمنت تعليقات ارماني كذلك بعض الارشادات للشباب الذين يبحثون عن خطوط الموضة قائلا: على الشباب ان يفهموا انه من السخافة ان يبيع الانسان نفسه او يسرق من اجل شراء قطعة تحمل اسما لمصمم عالمي او دار أزياء شهيرة.. والسؤال لماذا يقول ارماني تلك المقولات ويوجه تلك النصائح الآن؟ لا اعتقد وغيري ايضا ان الاخ ارماني اطلق تلك التصريحات لسواد عيون الشباب بل ليكسب اكثر وليستدرج فئة جديدة خاصة وأن الحرب المستترة بين دور الازياء هي في كيفية كسب رضا فئة الشباب التي تمثل شريحة عريضة ودائمة اذا ما استطاعت تلك الدور السيطرة على توجهاتها. واذا كان أرماني قد نزل من كرسيه العاجي وبدأ يتواصل مع الشباب والعمال فما الذي يجعل ايف سان لوران يترك الساحة ويتوارى؟