الدعم الأمريكي لاسرائيل بين حسابات الداخل والمعارضة الأوروبية، بقلم: محمد أحمد يوسف

لا يمكن لأحد ان ينكر ان الموقف الأمريكي المؤيد لاسرائيل ليس جديداً، فمنذ قيام الكيان الصهيوني كانت الولايات المتحدة الداعم الأساسي لكل التصرفات الاسرائيلية الموجهة بشكل خاص ضد العرب ومع وتيرة اختلاف الظروف الدولية، الحالية خاصة بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر ووقوف العرب بشكل ما مع الولايات المتحدة في حربها ضد ما سمته بالارهاب توقع الكثيرون تحولاً معقولاً للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط عموماً وبشكل خاص فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، ولكن يبدو ان الواقع السياسي الجديد قد جعل الادارة الأمريكية تتشدد أكثر من تشددها المعهود مما دفع حلفاءها الأوروبيين الى التحرك المكثف في هذا الملف وإعلانهم عن رفض السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وهي ظاهرة ليست جديدة على أوروبا التي باتت تخشى من تدهور الأوضاع ضمن دائرة جغرافية قريبة جداً خاصة مع وجود حكومة يمينية متطرفة في اسرائيل وحكومة متشددة في الولايات المتحدة ما زالت تخشى اللوبي اليهودي. ابعاد بوش يقول ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي: «خلافاً للادارات الأمريكية السابقة فإنك لا تحتاج إلى ان تنظر خلفك وان تنزل إلى غرفة العمليات» وإذا كانت هذه المقولة تؤكد تناغم الادارة الأمريكية فإنها في الوقت ذاته تعزف لحنها للانجاز المباشر للرئيس الأمريكي جورج بوش الذي تركز حول حربه في أفغانستان وضمن ادارة تضم في غالبيتها جنرالات الجيش الذين يتباهون بالانتصارات العسكرية بدلاً من التواضع الذي يكون عادة بعد النصر، وما دامت هذه الادارة قد استطاعت ان تثبت لشعبها قدرتها القتالية في منطقة لا تشكل بطبيعة الحال قوة عسكرية أمام أقوى دولة في العالم فقد لجأت إلى فتح ملفات خارجية جديدة كان أهمها هذه المرة ملف الصراع العربي الصهيوني الذي لم يهتم به بوش فور تسلمه السلطة حيث ابتعد عن مفهوم راعي عملية السلام في الشرق الأوسط وترك هذه القضية تجري كما تشاء وبالطبع باستثناء الدعم الكبير للكيان الصهيوني الذي على ما يبدو صار مخيفاً لواشنطن خاصة بعد التجربة الانتخابية المريرة بالنسبة إلى بوش وحزبه الجمهوري، وأما بعد الحرب الأفغانية فقد اتجهت الادارة الأمريكية لتدعيم هذا الموقف حيث صار مفهوم مكافحة الارهاب من مفاهيم تصفية الحسابات القديمة التي راقت لاسرائيل فاتخذها ذريعة اضافية وهي بالأساس ليست بحاجة إلى مثل هذه الذرائع فقد كانت تمارس ارهاب الدولة ضد الفلسطينيين دون أي رادع اقليمي أو دولي بل ان حكومة شارون قد اخذت الضوء الأخضر والأكثر سطوعاً من الادارة الأمريكية التي لم تحرك ساكناً يذكر على جرائم شارون بل لعلها قد شجعتها أمام صمت عربي تام وأمام عدم تأثر مصالحها في الشرق الأوسط فلم تبال بل لعلها تسعى الآن لأفغنة المنطقة بأكملها. من هنا صارت الاتهامات الأمريكية للفلسطينيين تشابه بشكل كبير الاتهامات الاسرائيلية ففي خطاب بوش الأخير أعلن عن أربعة منظمات ارهابية منها ثلاثة تقف في صف المواجهة الأول مع العدو الصهيوني وهي حركتا حماس والجهاد الفلسطينيتين وحزب الله اللبناني وقد كانت بوادر هذا الموقف واضحة حتى قبل خطابه الأخير فهو لم يكتف بوصف هذه المنظمات بالارهابية بل صرح مع ادارته بمواقف تساند اسرائيل الساعية لتقويض السلطة الفلسطينية، وسواء كانت هذه الاتهامات مباشرة أو غير مباشرة أو غير ذلك فقد توضح الموقف الأمريكي من خلال الخطط المعلنة من بعض المسئولين وخاصة نائب الرئيس «ديك تشيني» الذي اتهم عرفات بأنه ساعد على رفع وتيرة العنف خلال أشهر الانتفاضة وتساءل عن موقفه من السلام وبالطبع لم يتساءل عن موقف شارون أو مجازره الدموية في الأراضي الفلسطينية كما وجه الاتهامات العلنية للسلطة فيما يتعلق بسفينة الأسلحة «كارين اي» رغم اننا لاحظنا ان واشنطن لم تصدق الرواية الاسرائيلية في بادئ الأمر، أما كيف تحولت الادارة الأمريكية إلى صف الرواية الاسرائيلية فلعل شارون وحده القادر على الاجابة رغم وضوحها والتي تقول لديك تشيني تحديداً يجب عليك ان تنظر خلفك وبحذر إلى اللوبي الصهيوني المتربص لحكومة الولايات المتحدة والذي رفضها في الانتخابات الرئاسية قبل ما يزيد عن العام بقليل من الآن. ان ملامح السياسة الأمريكية في المنطقة أصبحت الآن ترسم في دوائر اداراتها ضمن مفاهيم خاصة تتلخص في الهم المبكر للعبة الانتخابات وإذا كان بوش قد تجاوز سنته الأولى في الرئاسة مع حرب ساعدته كثيراً في ازدياد شعبيته فإن التحضيرات لانتخابات نوفمبر النصفية قد بدأت ترسم خيوطها على سياسة واشنطن خاصة انها ستكون على جميع مقاعد مجلس النواب وثلث مقاعد مجلس الشيوخ ويبدو هنا ان ذكريات الرئيس الأمريكي ما زالت مستحضرة عندما رفضه أقل من النصف بقليل من الناخبين الأمريكيين مع رفضه شبه تام من اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وهذا ما جعل جزءًا رئيسيا من السياسة الأمريكية يصب في مصلحة الحزب الجمهوري الذي يسعى لتأييد اللوبي اليهودي مما انعكس بشكل مباشر على الدعم القوي لاسرائيل الذي فاجأ حتى بعض الأوساط السياسية الأمريكية التي رأت انه من المبكر ان يفكر بوش بالانتخابات الرئاسية قبل حوالي ثلاث سنوات من موعدها. اضافة إلى ذلك فإن الولايات المتحدة تحاول الآن ان تبقي الأوضاع الداخلية منشغلة بالمسائل التي تود ان تظل عالقة أمام المجتمع الأمريكي الذي يعيش وهماً هو ان الولايات المتحدة ما زالت مهددة بالارهاب مما يدفع ادارة بوش لأن تتصرف بهذا الموضوع كما يحلو لها حتى ان الحزب الديمقراطي اتهم الجمهوريين انهم يستغلون الحرب ضد الارهاب لمصلحتهم الخاصة كون المنافسة ستكون قريبة في مجلس النواب ومجلس الشيوخ ولم تقف هذه المسألة عند الحدود الداخلية في الولايات المتحدة بل تعدت الانتقادات الحدود لتصل إلى أوروبا التي باتت تستشعر الخطر القادم من الساسة الأمريكية خاصة في الشرق الأوسط. تحد أوروبي أوروبا التي وقفت مع الولايات المتحدة في حربها ضد ما سمته بالارهاب لم تستطع الوقوف مكتوفة الأيدي أمام ما يفعله شارون في الأراضي الفلسطينية وأمام الدعم الأمريكي الكبير لمجازره تجاه تحرك الاتحاد الأوروبي مستشعراً خطراً حقيقيا على مصالحه قبل كل شيء فالتوتر بالشرق الأوسط هو في واقع الأمر يضر أوروبا وهذا التوتر ليس في مصلحة اليورو الطامح لمنافسة الدولار أولاً وتحدي العولمة الأمريكية ثانيا، التي باتت لا تحسب حساباً لأحد سواء شركاء اليوم أو حلفاء الغد وهذا ما دفع الأوروبيين إلى اطلاق تصريحاتهم التي تتهم شارون وتستنكر الدعم الأمريكي وكان هذا واضحاً في اجتماع بروكسل فقد قالت وزيرة الخارجية السويد «أناليند» سياسة الولايات المتحدة تجاه المنطقة العربية تفتقر إلى الموضوعية وهي سياسة خطيرة جداً ومن شأنها مكافأة عنف شارون.. انه جنون يتناقض مع عملية السلام برمتها وهذا ما أكده معظم الأوروبيين الذين ما زالوا ينادون بقرارات الشرعية الدولية ويرفضون الأعمال الاسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، بل انهم سيطالبون اسرائيل بالتعويضات عن تدمير البنية التحتية الفلسطينية و خاصة ما أنشئ منها بتمويل أوروبي وهذا ما أكده «باتريك رنيو» سفير الاتحاد الأوروبي في لبنان حين قال: «اننا سنطالب اسرائيل بتعويضات كما سنطالبها بالأموال التي بنيت بها مؤسسات السلطة الفلسطينية التي دمرها الجيش الاسرائيلي وهي من أموال الأوروبيين الذين سيحاسبوننا عليها». ان التناقض الأمريكي بالنسبة للصراع العربي الاسرائيلي كبير جداً فواشنطن تؤيد قيام دولة فلسطينية ولكنها في الوقت ذاته تدعم الارهاب الصهيوني مما سبب حالة من الفوضى في هذا المجال وبدأت الأصوات ترتفع منادية بموقف أكثر موضوعية وهذا ما دفع جينادي سيليزينوف رئيس مجلس الدوما الروسي لانتقاد السياسة التي يتبعها جورج بوش بقوله: «ان واشنطن لا تقوم بأي تأثير ايجابي لوقف الاعتداءات الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني وبطبيعة الحال فقد بدأت أوروبا تسعى بشكل حقيقي إلى ايجاد حلول مقترحة كي تقدمها إلى الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي كان أبرزها الافكار الايطالية والأفكار الفرنسية وبالطبع ان أوروبا التي تسعى الى ايجاد مواقف بديلة عن الموقف الأمريكي لا يمكن لها ان تنسى مشاكلها مع الولايات المتحدة التي أثرت كثيراً على العلاقات بين الطرفين ولعلنا نذكر ان بعضا من هذه المشاكل يرتكز على العامل الاقتصادي والبعض الآخر حول اصرار بوش على التنقيب عن النفط في الاسكا وهو الذي رفض معاهدة «كيوتو» الخاصة بالمناخ ورفض اخيراً معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية الموقعة مع موسكو وباشر بالدرع الصاروخية الأمريكية المضادة للصواريخ وكل هذه المسائل التي قد لا تهم المواطن العربي كثيراً تهم أوروبا ومواطنيها الذين بدأوا يعارضون سياسة الولايات المتحدة وعولمتها القادمة التي لن ترحم حتى أوروبا وعملتهاالجديدة. ان أوروبا تسعى الآن وضمن خطة اتحادها إلى ايجاد آلية جديدة في الشرق الأوسط وبالطبع لترعى مصالحها وإذا نظرنا إلى الأفكار الأوروبية المتعلقة بالمشكلة الفلسطينية فإننا نلاحظ انها ليست جديدة ولكن الموقف الأمريكي الذي ازداد تعصباً لاسرائيل هو الذي جعلها تبدو جديدة خاصة ان العرب باتوا يتعلقون بأية قشة قد تنقذ صمتهم الذي بات طويلاً. لعل الأفكار التي تطرحها أوروبا بشأن القضية الفلسطينية ليست مستحدثة بل هي قديمة أيضاً ومهما تكن فإنها كغيرها ستصبح حبراً على ورق ما دام شارون يفكر بطريقته الدموية الخاصة التي لا تريد قبول حتى بعض الأفكار الاسرائيلية ومنها ما كان في وثيقة شيمون بيريز وأحمد قريع التي غمزت الولايات المتحدثة بقبولها ولكن جاءت تصريحات أحد مستشاري شارون لتوقف حتى التفكير الأمريكي بهذه الخطة بعد إعلان مسبق وواضح من شارون على رفضها حيث قالت هذه التصريحات وكما ذكرتها صحيفة «معاريف» الاسرائيلية: ان شارون مطلع على محادثات بيريز ولكن لنكن واضحين ان أي عملية دبلوماسية لن تجري قبل تفكيك البنية التحتية للارهاب، وهذا بالتأكيد حسب الرؤية الشارونية التي باتت لا تقيم وزناً لأية قرارات دولية أو اتفاق كاتفاق أوسلو الذي نسف من أساسه على يد الة الحرب الشارونية والمعروف أيضاً ان هذا الاتفاق تم تحت أيدي واشنطن. وأمام مشهد الارهاب الصهيوني المدعوم أمريكيا والموقف الأوروبي المعتدل نسبياً فإن المشهد المقابل هو الموقف العربي الذي ما زال يبحث عن نفسه ويستنجد بتشتته وأحياناً بخوفه من اتهامه بالارهاب الذي ما عارض سياسة الولايات المتحدة التي لم تكن لتؤيد اسرائيل كل هذا التأييد لو انها شعرت بأي خطر على مصالحها الاقتصادية في العالم العربي كونها تدرك في النهاية ان مصالحها الحقيقية ليست مع اسرائيل بل مع العرب ولكن أمام الصمت العربي الحالي ما الذي يدفع الولايات المتحدة لأن تتخذ موقفاً موضوعياً من سياسة شارون الدموية؟ ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق

طباعة Email
تعليقات

تعليقات