في صيف يوليو المقبل سيمر نصف قرن على قيام ثورة جمال عبدالناصر في عام 1952. سيمر 50 سنة على الثورة التي حققت نبوءات.. وأتت بمعجزات.. وغيرت طبيعة العلاقات والطبقات وانتهت مصلوبة في الساحات وفي واجهات المكتبات. ولو كانت العادة قد جرت أن تأكل الثورة أبناءها فإن ما حدث لثورة يوليو كان العكس تماما.. فقد كانت وليمة شهية لم يتردد في أكلها أبناؤها.. وشاركهم في سباق الأنياب والأظافر الذين استفادوا منها.. والذين صعدوا على أكتافها.. وعندما وصلوا الى السماء ركلوها.. وتنصلوا منها.. ومنذ أن بدأ العام وأنا ألمح غبار جيوش تستعد لتجدد القتال حول الثورة.. وأشم رائحة زيوت الأسلحة القديمة التي أخرجت من مخازنها لتسترد ليونتها وتصبح جاهزة للضرب.. وأكاد أجزم أن قناصة الحروب الأهلية.. السياسية والثقافية والتاريخية قد أخذوا مواقعهم من الآن.. أيديهم على الزناد.. مستعدون للضغط عليه عند أول مقال أو رأي أو حوار.. ومن ثم فإن الحوار الساخن المتوقع اشتعاله في هذه الذكرى سيزيد من حرارة الصيف ولهيبه.. وهو ما جعلني أقترح أن يكون الاحتفال بهذه المناسبة في الاسكندرية.. لعل مياه البحر ونسائمه تخفف من سخونة ما سنسمع.. وما سنقرأ. وما يجعلني أتوقع سخونة الحوار رغم مرور خمسين سنة على الحدث أن جمال عبدالناصر لا يزال يثير الجدل عند خصومه وأعدائه.. ولا يزال يثير الشجن عند أنصاره وعشاقه.. فالذين يكرهونه يخشونه ويرهبونه.. والذين يحبونه يفتقدونه ويحلمون به.. ولا تكاد مقالة عابرة تكتب عنه حتى يهب البعض مصفقا مهللا وينتفض البعض غاضبا صارخا.. وينصب المولد بكامل أدواته وأشخاصه وكأن صاحبه لم يغادر دنيانا وعالمنا منذ أكثر من 30 سنة.. جرى فيها ما جرى.. وتغير فيها ما تغير.. كأنه تركنا للتو.. وهو ما يعني أنه لا يزال على قيد الحياة.. طرفا في كل ما يجري بالمقارنة أحيانا.. بتصور ما كان سيحدث لو كان موجودا أحيانا أخرى.. بل ان الذين كسبوا على أنقاض تجربته وباعوا كل ما وجدوا له قيمة أو ثمن وتضخمت ثرواتهم على حساب ملايين الفقراء علقوا فشلهم في خلق تجربة بديلة على شماعته أيضا.. فهم يصرون على أنه رغم كل هذه السنوات التي مرت على رحيله فإنه لا يزال يقف لهم بالمرصاد. وربما كنت رومانسيا في رؤية عصر جمال عبدالناصر فقد كنت أنا شخصيا في سنوات البراءة والرومانسية عندما وجدت حلمه القومي يتدفق مثل نهر من النور ينساب على ضفاف البسطاء في هذا الوطن.. وربما لهذا السبب حفظنا شعر نزار قباني عنه.. ورددنا معه ومع غيره بمناسبة وبدون مناسبة: (زمانك بستان.. وعصرك أخضر.. وذكراك عصفور في القلب ينقر.. ملأنا لك الأقداح يا من بحبه سكرنا... دخلت تاريخنا ذات ليلة.. فرائحة التاريخ مسك وعنبر.. وكنت فكانت الحقول سنابل.. وكانت عصافير.. وكانت صنوبر.. لمست أمانينا فصارت جداولا.. وأمطرتنا حبا ولا زلت تمطر). ويواصل: (تأخرت يا أغلى الرجال فليلنا طويل وأضواء القناديل تسهر.. تأخرت فالساعات تأكل نفسها.. وأيامنا في بعضها تتعثر.. أتساءل عن أعمارنا؟.. أنت عمرنا.. وأنت المهدي.. أنت المحرر.. وأنت أبوالثورات وأنت وقودها.. وأنت انبعاث الأرض.. أنت التغير.. تضيق قبور الميتين بمن فيها.. وفي كل يوم أنت في القبر تكبر.. تأخرت عنا.. فالجياد حزينة.. وسيفك من أشواقه كاد يكفر).. (تأخرت عنا.. فالمسيح معذب هناك.. وجرح المجدلية أحمر.. نساء فلسطين تكحلن بالأسى.. وفي بيت لحم قاصرات وقصر.. وليمون يافا يابس في حقوله.. وهل شجر في قبضة الظلم يزهر؟.. رفيق صلاح الدين.. هل لك عودة.. فإن جيوش الروم تنهي وتأمر).. (أبا خالد أشكو إليك مواجعي.. ومثلي له عذر.. ومثلك يعذر.. أنا شجر الأحزان أنزف دائما.. وفي الثلج والأنواء.. أعطى وأثمر).. (أذبح أهل الكهف فوق فراشهم جميعا ومن بوابة الموت أعبر.. وأترك خلفي ناقتي وعباءتي وأمشي.. أنا في رقبة الشمس خنجر.. وأصرخ: يا أرض الخرافات.. احبلي لعل مسيحا ثانيا.. سوف يظهر). أعرف أن الرومانسية أصبحت تهمة وجريمة.. وفرصة للسب والنميمة.. لكن.. ألم يكن كل الذين غيروا تاريخ الحياة في كافة المجالات رومانسيين؟.. أليست الرومانسية هي الرؤية المثالية للواقع لو لم نصل اليها اليوم سعينا اليها غدا؟.. ثم.. ما الذي أخذناه من الواقعية؟.. الى أين أوصلتنا؟.. قتل أنور السادات وساد التشدد والتطرف وجاء الارهاب على عجل يحاول أن يفرض ارادته علينا.. ولم تفلح كل محاولات السلام بين العرب والاسرائيليين.. فتوقيع معاهدة للصلح مع قنفذ بري عمل من أعمال الخرافة.. وتصور أن الصلاة في المسجد الأقصى ستجعل الجيتو اليهودي يأخذ العرب بالأحضان هو تصور ينتمي الى دولة السذاجة.. وجاءت الواقعية بسفاح لا يشعر بما يفعل هو أرييل شارون.. وأمسكت الواقعية بأنف الولايات المتحدة لتدسها في كل ما يخصها وما لا يخصها.. وفجرت الواقعية متاعب اجتماعية واقتصادية لا يقدر أحد على انكارها.. ونحتاج لدهر كامل من الرومانسية كي نتوصل الى حلول لها.. إن الاستسلام للواقعية كالاستسلام للجاهلية.. لو حدث.. ما كانت قد نجحت الدعوة الاسلامية.. وما كانت قد قامت الحضارة الاسلامية. ما لها الرومانسية.. بدونها الصبر لا صبر له.. والنوم لا ينام.. والزمن تنهبه الأيام.. ولا كلام.. ولا أحلام.. بل قبور من جبس وأسمنت ورخام.. وضياع الملامح وسط طوفان الزحام.. والتهام الغد والمستقبل على موائد اللئام. لقد كان جمال عبدالناصر موجود في فرح الناس.. وحزن الناس.. فوق الجسور.. في أرغفة الخبز.. في كلمات الحب.. في الأمثال.. في زهر القطن.. في طمي النيل.. فوق نجوم الصيف.. وعلى رمال الشواطئ.. في عرق العمال.. في قناة السويس.. في تجربته الوطنية.. ويوم يختفي من ذلك ومن غيره فإنه يصبح في خبر كان.. مجرد ذكرى.. لا تثير الجدل.. ولا تثير الغضب. لقد عبر عن ذلك رفيق جمال عبدالناصر وشريكه في التجربة محمد حسنين هيكل في مقاله الذي كتب بعد 40 يوما على وفاته وأثار ضجة هائلة.. كان عنوان المقال: (عبدالناصر ليس أسطورة).. ويستحق المقال أن نعيد قراءته قبل أن نتورط في جدل لا ينتهي.. وصخب يقوم ويشتعل ثم يهمد ويخمد. كتب هيكل: (ليس من حق أحد بيننا أن تراوده - على نحو أو آخر بقصد أو بغير قصد - فكرة تحويل جمال عبدالناصر الى أسطورة.. إن الحب الزائد له والحزن الزائد عليه - وكلاهما في موضعه - يمكن لهما أن يدفعنا بالذكرى دون أن نشعر الى صلب الأساطير.. كما أن بعضنا قد يتصور لأسباب شتى أن ذلك مطلوب.. والحقيقة أن هذا كله مهما كانت دوافعه يضع جمال عبدالناصر في غير مكانه الصحيح. (إن الأسطورة تشتمل على إيحاء غيبي كما أنها تحمل لمسة مما وراء الطبيعة.. وليس من ذلك كله أثر في جمال عبدالناصر.. لقد كان أعظم شئ في جمال عبدالناصر أنه كان حياة إنسانية زاخرة.. عاشت على الأرض وبين الناس وتحت أشعة شمس مصر الباهرة.. وكان أكثر ما ينفر منه جمال عبدالناصر في حياته هو عبادة الفرد ولهذا فإنه ليس من حق أحد بعد الرحيل أن يجعل منه إلها معبودا في هرم آخر على أرض مصر. ( إن جمال عبدالناصر لا يسعده أبدا أن يجد نفسه تمثالا شاهقا من الحجر.. إنما يسعده أن يظل دائما مثالا نابضا للإنسان.. لحم ودم.. إرادة وأمل.. عقل وعاطفة.. قرارات فيها الصواب وفيها الخطأ.. وأحسب أن جمال عبدالناصر هو واحد من القلائل الكبار في عالمنا وعصرنا الذين واتتهم الشجاعة لكي يقفوا أمام الملايين يتحدثون بأمانة ورجولة عن التجربة والخطأ.. ولو أردت أن أستعمل أسلوب المجاز لقلت: لا يجب أن تصبح ذكرى جمال عبدالناصر جدارا نقف أمامه في خشوع ورهبة وإنما يجب أن تصبح ذكرى جمال عبدالناصر أجمل المروج الخضراء في حياتنا.. نذهب اليها بالحنين والمحبة ونحن نحس بالصفاء الروحي والذهني شاعرين أننا في جوها النظيف والطاهر على صلة وجدانية بالضمير الوطني والقومي لشعبنا وأمتنا.. أقصد أن ذكرى جمال عبدالناصر لا يجب أن تتحول الى تراث - أو إرث - نعيش عليه.. ولكنها يجب أن تبقى قيمة نعيش معها.. قيمة لا نقف أمامها بالصمت ولكن ندخل معها في حوار مستمر.. نفكر فيها.. أعتقد مخلصا أن جمال عبدالناصر كان يقول بذلك لو كان قد أتيح له أن يبدي رأيه فيه. كان - كما قلت - ينفر من عبادة الفرد أو على الأقل لا يستسيغ المنطق الذي تستند اليه مهما كانت مبرراته.. وأذكر في ذلك وقائع كثيرة تشير كلها الى ذلك اليقين لديه.. كانت هناك تجارب يقدرها حق قدرها ويعجب بما حققت أشد الاعجاب.. لكنه كان يصل الى نقطة تقديس الزعيم فيها ويقول: لا أعرف لماذا تورطوا في مثل ذلك.. إنه ليس خطأ في فهم دور الفرد فحسب ولكنه يمكن أن يشكل عقبة أمام التطور أيضا.. لأنه يعطي للأموات وصاية على الأحياء.. وليس ذلك إنصافا لا للأموات ولا للأحياء.. هذه - نقلا عن مذكرات كتبتها سنة 1958 - نصوص كلمات بالحرف. ومنذ شهور شاهد في بيته فيلما صينيا وكان الفيلم حافلا بتصرفات لأبطاله نسبت في كل المواقف لتعاليم ماوتسي تونج.. وكان تعليق جمال عبدالناصر على ذلك: إن ماوتسي تونج في رأيي من أعظم رجال هذا القرن ومن الذين أثروا فيه بشكل قاطع وواضح ولكني حقيقة لا أستطيع أن أفهم الفلسفة التي يقوم عليها تقديس الفرد ونسبة المعجزات اليه.. وظل هذا الموضوع معه الى اليوم وبدأه مهتما بالفلسفة الصينية والشخصية الصينية وبالتاريخ الصيني.. وفيها جميعا ما يسمح بذلك. (وأذكر مرات بغير عدد حضرت فيها مقابلات جمال عبدالناصر مع معظم الصحفيين الأجانب الذين قابلهم وكان السؤال المتكرر على ألسنة كثيرين منهم هو: ما هو السبب الذي تعزو اليه تأثير قيادتك في العالم العربي؟.. وكان رده الذي لا يتغير وعن يقين نافذ الى الصميم هو: (إنني لا أقود العالم العربي.. إنني مجرد تعبير عنه في ظرف معين وفي زمان معين).. ثم كان يضيف: (ودوري فيه هو بمقدار تعبيري عنه). ويتذكر هيكل كيف استقبلته دمشق التي أحبها من أول نظرة.. كيف حملته الجماهير هو وسيارته على الأعناق.. وسأل هيكل رأيه فيما حدث.. فكان الجواب: (لو أنك كنت شخصا آخر غير من أعرف لكنت قد قلت لك: تذكر أنك بشر).. وكان أن قال على الفور: (غريبة.. لقد كنت أفكر في شئ من ذلك طوال الوقت.. لقد كنت أقول لنفسي وأنا أشاهد ما شاهدت: لا تنس نفسك.. هذا كله ليس لشخصك.. ذلك كله لأمل عند الناس في الوحدة). ويخلص هيكل من ذلك ومن غيره: أن عبدالناصر كان ابنا شرعيا لأمته وعصره.. وقد جاء مسلحا بموهبة الاتصال بالجماهير والتفاعل معها ونجح في الوصول اليها عبر الميكروفون.. وعبر تجارب الصواب والخطأ.. وخلال 18 سنة كان فيها على القمة ترك 3 آلاف ساعة مسجلة بصوته وصورته وألف ساعة مسجلة من اللقاءات والمحاضر الرسمية.. (وأما عن أبرز مميزاته فهي أنه نجح في أن ينقل الشارع الى السياسة العليا.. وأن ينقل السياسة العليا الى الشارع). (إن الرسالات السماوية غير الرسالات الإنسانية.. الرسالات السماوية نصوص يجب التقيد بها لأنها وحي إلهي.. أما الرسالات الإنسانية كمنهاج للتفكير والعمل تقابل ظروفا متغيرة ولا يمكن على الاطلاق مواجهتها بمنطق أنها (نص زمان ومكان).. ولو نظرنا الى تجربة عبدالناصر على أنها نصوص فإننا قد نجد أنفسنا في محظور التجميد بينما التجارب الأصيلة يجب أن يتاح لها فرصة التجديد.. وقد كان عبدالناصر نفسه يحلم بتجديد شباب الثورة.. وتجديد قياداتها.. ووسائل تقييمها). لقد كتب هذا الكلام فور وفاة جمال عبدالناصر.. لكن.. المثير للدهشة أن لا أحد توقف عنده.. ولا أحد استوعبه.. ولا أحد تصور أنه يمكن أن يكون بمثابة أرضية ضرورية قبل الدخول في حوار ساخن يبدو قادما في الأفق حول الثورة التي يراها البعض عورة.. وربما لم ننجح في ذلك بعد أربعين يوما على وفاة جمال عبدالناصر.. لكن.. ربما ننجح في ذلك بعد مرور خمسين سنة على ثورته. ـ كاتب مصري