الى اللقاء: بقلم: حسين درويش، فن الرغي

لا أحد يتقن هذا الفن كما النساء. ولا يعني ذلك انتقاصاً من قدر المرأة فهي مؤهلة أكثر من أي كائن آخر على تحويل ما هو جامد وجاف الى رغي أو رغوة أو زبد. وزبدة القول انه في اللغة يشار الى كثرة فقاعات الصابون بالرغوة، وهي اصلاً تعني ما يتركه الموج من وغف على الشاطئ، وتعرفه العرب بالزبدة التي هي حصيلة خض اللبن وضربه في الظرف لينتج عنه في النهاية ما يسمى زبدة أو يتحول الى سمن، لكنه يقال للذين يكثرون من الشرح في الحديث ويطيلون في الوصف فلا هم يملون ولا يكلون، فيكثر خض اللسان في الفم ويفيض الزبد على الشفتين وعلى أطراف الهواء فيصبح رذاذاً، أو نثيثاً.. والنثيث هو المطر الخفيف الناعم الذي يساهم في تحويل العشاق الى شعراء أو يحول البسطاء الى كتاب قصيدة النثر. الا ان فن الرغي امتياز نسائي خالص كانت تمارسه الجارات في الزيارات الصباحية فيضعن الركوة على النار والفناجين في الأطباق ثم يستلمن شئون البيوت من أول الحي الى نهايته، وخلال ذلك يحتسين ما يعادل ثلاثة فناجين من القهوة لكل منهن، ولا ينتهي الرغي الا مع موعد عودة الأولاد من المدارس أو الازواج من الأشغال، عندها يسارعن الى المطابخ لاعداد وجبات كيفما اتفق ويعللن الأمر بكثرة انشغالهن في البيت أو بعدم توفر عدة ملائمة لطبخة المحشي! وسيكون الرغي مفتاحاً لإفشاء أسرار الجارات الأخريات، حيث أن أم علي حبلى، وأم مصطفى زعلانة، وأم محمد اشترت ثلاجة جديدة، والست صالحة حماتها عندها منذ أيام وحالتها حالة.. ومع تطور التكنولوجيا انتقل فن الرغي مشافهة الى الرغي السماعي حيث حل الهاتف مكان الزيارة، ويمكن ان تستخدم المرأة هاتفها في بحث ونكش شئون الناس لمدة ساعة تقريباً، وهو معدل الرغي الصباحي الذي من خلاله تنقل الأخبار وتذاع الأسرار ويسقط الستار فلا تعود هناك حاجة الى من يكتم او ينتظر فالشاطر يحكي والمستمع.. خليك بالبيت. ولان التكنولوجيا تتطور باستمرار فقد حملت الرغاية عدتها من الثرثرة والزبد الى التلفزيون والراديو، واخذت ترغي وترغي على خلفية أغنية «أنا الغلطان ما جيتي» التي أصبحت شعاراً للرغايات ولحناً على هواتفهن النقالة، فيفتحن موضوعاً عن الصحة، واخر عن الطبخ وثالثاً عن طلاق نيكول كيدمان ورابعاً عن سهرة بتعقد لسلطان الطرب جورج عنتر في مطعم أبو بلطة العريق بالتبولة والفتوش والأراكيل، والقاسم المشترك في مجمل تلك المواضيع ان فيها الكثير من الرغي والقليل من الفائدة، ثم ان جميع الرغايات يتقن فن التشويق فيحولن الدجاجة الى لبؤة والديك الى سبع، ومع مرور الدقائق يمكن ان تهدر المذيعة (الرغاية) ثلاث ساعات من الوقت وهي لا تكف عن الحديث، ولم يدخل لسانها الى حلقها ابداً، وانها لم تقدم شيئاً مفيداً للناس سوى القيل والقال والحرث في شئون لا طعم لها ولا لون، وان ثقافتها قائمة على السمع ومعرفتها مستندة الى أحاديث مبتورة ولا مرجعية لديها سوى ما تنشره بعض القصاصات من هنا وهناك عن الزيجات والطلاقات والفُتات التي لا تسمن ولا تغني. وهكذا يكون فن الرغي امتيازاً خاصاً بالمذيعة العربية التي لديها طلة صهباء ولسان يلف على المدينة بأسرها، وحبذا لو كانت تلدغ بأحد الأحرف لكان ذلك اضافة رائعة الى سيرتها الذاتية، حيث سيكثر معجبوها ودخلها الشهري ويقل عقلها وثقافتها.. وهما ضمانتان اكيدتان لكي تتهافت عليها المحطات والاذاعات العربية للفوز بطلتها البهية... يا سلام. يا عين.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات