بمعزل عن التكهنات والتحليلات والتصريحات الإعلامية الصاخبة، التي بشر بها البعض بقدرة شارون على إيجاد البدائل الفلسطينية، توطئة لفرض البرنامج الإسرائيلي على الطرف الفلسطيني، انطلاقاً من مقولة الانحياز الأمريكي لإسرائيل من جهة، واستحواذ، الإسرائيليين على وسائل القمع والتنكيل وفرض الأمر الواقع من جهة أخرى يبدو أن الأمور جاءت على عكس كل التوقعات، التي انطلق منها أصحاب التفسيرات والتأويلات، بحيث بدا واضحاً أن ثمة قواعد باتت ثابتة للصراع، وإن بدت للبعض بأنها خرجت عن أصول قواعد اللعبة التي رسمت لطرفي الصراع الفلسطيني والإسرائيلي من قبل الأطراف الدولية، وبالتحديد الطرف الأمريكي لكن أياً يكن الأمر، فقد سعى شارون وتحالفه باستخدام أعلى وسائل الضغط السياسي المترافق مع التدمير المنظم للمدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، للتوصل إلى هدفين أساسيين؛ الأول وأد الانتفاضة بما شكلته من فعاليات على الأرض، بما يفضي إلى التقليل من المكاسب السياسية التي قد يجنيها الفلسطينيون من إدامة عمر الانتفاضة ـ المقاومة، أما الثاني وهو الأخطر، محاولة إدخال الشقاق إلى الصف الفلسطيني، من خلال استخدام آليات وشروط أمنية، قد توصل الشارع الفلسطيني إلى حالة من الاقتتال، باعتبار ذلك الأمر إذا ما نجح، سيفضي إلى التفكير الجاد ،فلسطينياً، بقيادة بديلة في الداخل، تؤمن له ،ولو نسبياً، المتطلبات الأمنية الإسرائيلية وحسب، بمعزل عن متطلبات الطرف الفلسطيني سياسية كانت أم أمنية بمعنى آخر أن شارون عمل ولا يزال كل ما في وسعه، في سباق مع الزمن بهدف تمرير سياسته، ووقف التداعيات الداخلية التي تعيشها المؤسسات الإسرائيلية بكل أنواعها، السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، بحيث توصل بسبب التداعيات الداخلية، والضغوط الخارجية كما أسلفنا القول، إلى التفكير في إحداث معازل فلسطينية، باعتبار ذلك سلاحاً حاداً قد يؤسس إلى تمرير أهدافه ومراميه التي يسعى جاهداً إلى تحقيقها على أرض الواقع دون التخلي عن محاولاته الدؤوبة في ديمومة الاستفادة من أحداث 11 سبتمبر في وصم الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية والإسلامية بالإرهاب، لشرعنة عدوانه ضد الشعب الفلسطيني، بالترافق مع استغلال تفاعلات الشارع الإسرائيلي الذي يغوص أكثر فأكثر في أوحال التطرف الصهيوني بصرف النظر عن التوصيف لسياسة شارون، فقد واجهت شارون عدة عقبات أدت إلى فشله في إنجاز ما كان يصبو إليه تمثل في: أولاً ـ بدأت الثقة على المستوى الداخلي الإسرائيلي، وبفعل ضربات الانتفاضة الموجعة بتراجع الثقة داخلياً بأداء شارون الأمني والاقتصادي تتراجع، فقد تبين في استطلاع للرأي العام أجراه «معهد جالوب» بالتعاون مع صحيفة «معاريف» الصادرة يوم 1/2/2002 أنه بعد أشهر طويلة من الشعبية العالية بدأ رئيس الوزراء شارون يفقد بعضاً منها ففي سؤال هل أنت راض أم غير راض عن أداء رئيس الوزراء شارون بشكل عام ؟ جاء الجواب راض 37في المئة، بينما 54 في استطلاع سابق غير راض 54 في المئة، بينما 40 في استطلاع سابق لا أدري 9 في المئة أما في المجال الاجتماعي الاقتصادي فقد جاء السؤال، هل أنت راض أم غير راض عن أداء رئيس الوزراء شارون في المجال الاجتماعي ـ الاقتصادي؟ راض 18في المئة، بينما 27 في استطلاع سابق، غير راض بينما 74 في المئة 67 في استطلاع سابق لا أدري 8 في المئة لعل هذا الاستطلاع الذي اجري في أخر أسبوع من الشهر الأول في سنة 2002 ، الذي ضم 590 شخصاً من السكان الراشدين في اسرائيل، يظهر مدى تراجع شعبية شارون، ليس بسبب سياساته الإجرامية، بل بسبب فشله الذريع في تحقيق ما وعد به الناخب الإسرائيلي أما فيما يخص الرفض السياسي، فقد حظي رافضو الخدمة في الضفة الغربية وقطاع غزة بدعم مهم تمثل في رسالة الضباط التي تحمل توقيع خمسين من المقاتلين في الخدمة الاحتياطية. على الرغم من كثرة هذه التوقيعات التي كانت تظهر اثر حروب اسرائيل الكثيرة على المحيط العربي، ووصمها بالعادية من قبل بعض وزراء شارون وقيادة الأركان الإسرائيلية، إلا أن هذه القائمة تختلف على ما يبدو عن سابقاتها، حيث جاءت هذه المرة، في لحظة نسيان إسرائيلي شديد لتاريخ انقضى، لتذكر الجميع بأن الحرب ضد الفلسطينيين هي حرب يستحيل كسبها وليس صدفة أن العريضة أتت في وقت كان فيه بعض المعلقين قد بدأوا يتململون من حالة الارتخاء والاتكال الجماهيري الواسع على حكومة الائتلاف بين الليكود والعمل والقوى اليمينية، تقود الجميع نحو الهاوية حيث رأى بعضهم أن المجتمع الإسرائيلي وهنا تكمن الحقيقة الذي يعشق ذوي البزات العسكرية لا يميل كثيراً لتصديق المعلقين إن لم يقف بعض الضباط إلى جانبهم فيؤكدوا تقديراتهم وعلى هذا الأساس ، رأى المحاضر في دائرة العلاقات الدولية في جامعة حيفا أوري بار يوسف في جريدة «هآرتس» الصادرة يوم 29/1/2002 ، أن كل حروب اسرائيل منذ عام 1967 أعدت من أجل المحافظة على سيطرتنا على المناطق الضفة الغربية وقطاع غزة ولم تكن أي من هذه الحروب معدة للدفاع عن القيم الجوهرية للدولة القومية اليهودية. ومن الوجهة العملية، ورغم كل الأقوال الفارغة التي يسمعها الجمهور في اسرائيل، فإنه لم يتعرض لأي خطر منذ ذلك الحين والآن، ظهرت للمرة الأولى، مجموعة من المقاتلين، الذين حملوا على الدوام أعباء الخدمة العسكرية النظامية والاحتياطية، وهم يحملون رسالة بسيطة إلى صناع القرار: عليكم أن تختاروا بيننا وبين المستوطنات وهذه رسالة هامة تكشف عورة نظرية الأمن القومي الإسرائيلية، التي ترفض الإقرار بالقيم الحقيقية. ثانياً: خسر شارون الرهان على إدخال الشقاق إلى أجهزة السلطة الفلسطينية، فقد بين اللقاء الذي جرى بين أبو مازن ووزير الخارجية الإسرائيلي شيمون بيريز، بأن كل اللقاءات الإسرائيلية ـ الفلسطينية تجري تحت إشراف الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وبتوجيه مباشر منه، وقد صرح الرئيس الفلسطيني في ما يخص هذه القضية بالتحديد، أن اللقاءات والاتصالات القيادية الفلسطينية ـ الإسرائيلية لم تنقطع طيلة فترة الحصار، ولعل كشفه لقاء أبو علاء وصائب عريقات مع شيمون بيريز قبل أيام، كان تأكيداً على سيطرته على الوضع السياسي ـ التنظيمي والإداري الفلسطيني من جهة، وأنه ليس من قوة أياً تكن قوتها أو حجمها قادرة على خلق أو تجاوز القيادة الفلسطينية، بغض النظر عن التكتيكات التي يستخدمها شارون من جهة أخرى .بل أكثر من ذلك ذهب الرئيس الفلسطيني إلى أبعد من ذلك، بهدف وضع حد للتكهنات والشائعات، التي راجت في الشارع الفلسطيني وعززتها الدعاية الإسرائيلية، بأن لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون ثلاثة من كبار المسئولين في السلطة الفلسطينية جاء لتجاوز الرئيس الفلسطيني واعتماد قيادة بديلة عنه بل الأكثر من ذلك، أن حكومة شارون باتت مقتنعة بأنه لا يمكنها خلق بدائل فلسطينية، انطلاقاً من أن الرئيس الفلسطيني، يعتبر الحل الوسط بين السلطة والمعارضة، وأن غياب الرئيس الفلسطيني عن المسرح السياسي الفلسطيني، سيغيب معه كل من تراهن اسرائيل على قدرتهم على إقامة تسوية سياسية مع اسرائيل بمعزل عن شكلها أو حجمها .بكلام أوضح، أن الرئيس الفلسطيني يلقى، رغم التصريحات والانتقادات التي توجه له من كل صوب وحدب، قبولاً من كل الأطراف الفلسطينية، بمعزل عن الأيديولوجيات والسياسات التي تحكم الفصائل والقوى، بسبب قدرته على إدارة الأزمة مع اسرائيل من جهة وما بين الفلسطينيين أنفسهم من جهة أخرى ودون ذلك، فستفقد الرموز السلطوية قبل الأمنية، حتى مجرد أمنها الشخصي، وهذا الفقدان بكل تأكيد، سيكون مبعثه القوى الفلسطينية التي ستملئ الفراغ الأمني فيما لو وصل الأمر إلى هذا المستوى حتى الوسط الإسرائيلي على ما يبدو يدرك هذه الحقيقية، فالعودة إلى استطلاع الرأي المذكور وما يعلق بالجانب الفلسطيني، وفي حيز الإجابة عن السؤال القائل، هل تؤيد أم تعارض محاولة إسرائيلية لإسقاط ياسر عرفات من سلطته ؟ أؤيد 54 في المئة أعارض 35في المئة لا أدري 11في المئة .أما السؤال الآخر والمهم رغم كل العسف والقمع الإسرائيلي، هل فكرت أنت أو أي من عائلتك أخيراً في إمكانية السكن في دولة أخرى ؟ الجواب نعم 20في المئة لا 80في المئة وفي سؤال حول إمكانية نجاح شارون على وقف ما يسمى بالإرهاب خلال السنة القريبة ؟ سينجح 22في المئة لن ينجح 69في المئة لا أدري 9في المئة استناداً إلى ما تقدم نجد أن كل التصريحات الإسرائيلية بخصوص استبدال الرئيس عرفات مجرد أدوات ضغط، ولعل تصريح رئيس شعبة المخابرات العسكرية أهارون زئيفي في جلسة الحكومة أنه يصدر عن القيادة الفلسطينية انتقادات على عرفات وثمة حديث عن استبداله: يقول كبار في القيادة الفلسطينية ألا تقودهم إلى أي مكان ولاول مرة يسمع حديث عن استبدال عرفات بما في ذلك أحاديث عن خلفائه للمرة الأولى يتحدثون عن ذلك لقد تحطم المحظور وحول عرفات قال زئيفي في نفس الصحيفة الإسرائيلية يديعوت الصادرة في 28/1/2002 أنه يريد هدوءاً ولكنه فقد السيطرة على الأرض وهو غير قادر على وقف العمليات الإرهابية ما تقدم من أقوال زئيفي ليس مهما بقد ما اختتم قوله بأننا نحن في الطريق نحو التصعيد وكل المنظمات الإرهابية في طور متقدم من الاستعداد للعمليات هذه الحديث المتناقض يدلل على مدى الإرباك والفشل الإسرائيليين في جملة السياسات التي يمارسها شارون وحكومته حتى الولايات المتحدة تدرك الأمر بكل ما يحمله من مخاطر، فهي رغم شرعنتها للكثير من المشاهد المأساوية على المسرح الفلسطيني، إلا أنها لا تزال ترسم خطوطاً حمراً ، ولو بشكل خفي، أو من خلال دول الاتحاد الأوروبي التي لم تتوقف لحظة واحدة في الدفاع عن شرعية الرئيس عرفات وسلطته، والاتفاقيات الموقعة بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني وختاماً قد لا نفاجئ بخطوات تفاوضية واسعة على كافة المستويات، لانه دون ذلك ستحمل الأيام المقبلة صراعات دامية قد تعمم على المحيط الجغرافي. ـ كاتب فلسطيني