جرى الأسبوع الماضي عقد أهم لقاءين عالميين من النواحي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، التقيا واختلفا في العديد من القضايا، على الرغم من المسافة الجغرافية الفاصلة بينهما، الأول في نيويورك دعما لوجود عاصمة الرأسمالية العالمية، المهتز بعد انهيار رموزها في أحداث سبتمبر الماضي، والثاني في «بورتو اليجري» البرازيلية الرمز الحي والواقعي على إمكانية قيام نظام سياسي اقتصادي حديث يطبق العولمة ويحقق المطالب الاجتماعية للطبقات غير القادرة على اللحاق بقطار الرأسمالية المرفه. جرى الأسبوع الماضي عقد أهم لقاءين عالميين من النواحي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، التقيا واختلفا في العديد من القضايا، على الرغم من المسافة الجغرافية الفاصلة بينهما، الأول في نيويورك دعما لوجود عاصمة الرأسمالية العالمية المهتز بعد انهيار رموزها في أحداث سبتمبر الماضي، والثاني في «بورتو اليجري» البرازيلية الرمز الحي والواقعي على إمكانية قيام نظام سياسي اقتصادي حديث يطبق العولمة ويحقق المطالب الاجتماعية للطبقات غير القادرة على اللحاق بقطار الرأسمالية المرفه. بعد اكثر من ثلاثين عاما انتقل اللقاء الاقتصادي العالمي الذي يمثل جبروت رأس المال قبل أن يمثل أي شئ آخر من منتجع «دافوس» ليعقد لأول مرة في نيويورك، بهدف تقديم الدعم لتلك المدينة التي تمثل عاصمة الرأسمالية في العالم بعد أن اهتزت صورتها بفعل أحداث الثلاثاء الدامي في شهر سبتمبر الماضي، والتي لا يعرف أحد المخطط لها ومنفذها حتى هذه اللحظة، على الرغم من الدمار الذي لحق بأفغانستان وينتظر غيرها من الدول البارزة العداء للولايات المتحدة، ربما حدث ما حدث لها بسبب سياستها الخارجية التي تعتمد على غطرسة القوة أكثر من أن يكون هذا الهجوم بسبب تزعمها للرأسمالية العالمية الاستعمارية تحت شعار العولمة. لكن هذا اللقاء على الرغم من تركيز الأضواء عليه إعلاميا لإظهار الولايات المتحدة بمظهر القادر على قيادة العالم اقتصاديا، إلى جوار قدرتها على قيادته عسكريا وسياسيا، فقد كانت تخيم عليه سحب أخرى أقوى من أن تحجبها الأضواء الإعلامية عن الرؤية وتبعدها عن الأنظار. ضباب سياسي شهدت اللحظات الأولى مواجهة عبرت عن رأي أوروبي جديد يحاول الاستقلال، ومعارض للممارسات الأمريكية لأول مرة منذ أن بدأ الحديث عن العولمة الاقتصادية، وأيضا الحالة الراهنة للاقتصاد الغربي بشكل عام، الأمريكي والأوروبي، التي تشهد حالة من الركود الشامل الذي فشل في توقعه أو التعرف على مضاعفاته جميع «خبراء» العولمة الذين كانوا يتعالون بصيحات الغضب عندما يحدثهم أحد بإمكانية حدوث ركود بعد فورة الاقتصاد التي شهدتها البورصات الغربية، بسبب الارتفاع المتوالي والمتضاعف بشكل لا معقول لأسهم الشركات العاملة في مجال الصناعات التكنولوجية المتطورة. أيضا الضباب المحيط بالشخصيات الاقتصادية التي كان المنتدى يقدمها في السابق على أنها ابرز الوجوه الناجحة في تطبيق دعوات العولمة، مثل «دمنجو كافالو» محافظ البنك المركزي الأرجنتيني على عهد الرئيس السابق كارلوس منعم، ووزير اقتصاد الرئيس السابق «أيضا» فرناندو دي لا روا، ومخطط الاقتصاد الذي تسبب في الكارثة التي حلت بتلك الدولة التي كانت في السابق نموذجا يحتذى، ولا تهددها حاليا ماليا بل قد تدفع بها نتائج هذا التخطيط إلى الدخول في أزمة سياسية طويلة المدى، قد تنتهي بما يشبه الحرب الأهلية، لأن الأزمة التي تعيشها الأرجنتين حاليا لا تغري حتى العسكريين على ممارسة لعبتهم المفضلة في الانقلاب على النظام السياسي التي كانوا يمارسونها في السابق، لأن الحالة الراهنة لا تمثل مناخا صالحا لمزيد من الفساد المالي الذي وصل على أيدي دعاة «الليبرالية» الاقتصادية في الأرجنتين إلى مداه. خلط السياسة بالاقتصاد إضافة إلى أن الزعامة السياسية الأمريكية المتمثلة في الرئيس جورج بوش الابن تستضيف هذا اللقاء بأسوأ مثال على العولمة المتمثل في فضيحة «انرون» التي تعتبر مثالا على أن العولمة في تطبيقاتها الاقتصادية يمكنها أن تعود بالكوارث حتى في أعتى الدول الليبرالية اقتصاديا في العالم، ما لم تكن هناك قوانين صارمة تحكم حركة رأس المال في بحثه عن الربح السريع، فقد كانت تلك الفضيحة نتيجة لتحرير مجال إنتاج وتوزيع الطاقة أمام الشركات الاحتكارية دون وضع ضوابط لهذا التحرر فكانت النتيجة أزمة حقيقية في توزيع الطاقة الكهربائية في الولايات المتحدة، انتهت بإفلاس الشركة الأهم في هذا المجال، لأنها فضلت رشوة السياسيين على تحقيق مطالب المستهلك، بل والمساهم في رأسمالها. فقد تحولت تلك الشركة من مجال بناء المجتمع إلى هدمه اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا من خلال خلط السياسة بالاقتصاد، وربط السياسة بمعدلات الربح والخسارة، وربما لولا الوضع العالمي الراهن الذي تعيشه الولايات المتحدة بعد انتصارها في أفغانستان، في حرب «داوود وجوليات»، والتي حققت فيها الولايات المتحدة الانتصارات السهلة على عدو «مخيل» لا حول له ولا قوة، زادت شعبية للرئيس الأمريكي، لكانت فضيحة «انرون» النهاية السياسية الحقيقية لجورج بوش الابن، خاصة أن سقوطه كان مسألة وقت بعد عملية انتخابه المشكوك فيها حتى الآن. ربما لكل هذه الأسباب لم ينجح التعتيم الإعلامي على «المنتدى الاجتماعي» لمدينة «بورتو أليجري» البرازيلية الذي ينعقد للعام الثاني على التوالي، لكشف حقيقة الأوضاع الاقتصادية العالمية التي يروج لها «منتدى دافوس» وآثارها الاجتماعية المدمرة، وبشكل خاص على الطبقات المهمشة في المجتمعات المنتمية إلى العالم المتخلف. المنتدى الاجتماعي لبورتو أليجري ينعقد هذا العام ليس كمواجهة لما يجري في منتدى دافوس المنعقد في نيويورك، بقدر ما حاول أن يكون موازيا له، ويبذل منظموه جهودا للفت النظر إلى إمكانية التوصل إلى توصيات مشتركة، بعد أن انكشفت بعض جوانب العولمة المدمرة والتي تسببت في خلق فجوة تتضخم يوما بعد يوم في مجال التكنولوجيا الرقمية التي تهدد إلى اتساع الفجوة الحضارية بين الشمال والجنوب، وقد تؤدي تلك الفجوة بالتالي إلى حدوث المواجهة التي لا بد منها عندما يستحيل اللقاء، وبالتالي يستحيل الحوار ويتحول إلى صراع !. ربما من ابرز ما تم طرحه هذا العام في المنتدى الاجتماعي لبورتو اليجري مسألة العلاقة بين مساعدات صندوق النقد الدولي المشروطة وبين انهيار عدد من الاقتصادات التي نفذت تلك الشروط بشكل حرفي، مما يكشف عن أن البنك له دور سياسي آخر، لخدمة أهداف محددة لدول معينة لا هدف لها سوى السيطرة على الدول الأصغر والأضعف، فقد أثبتت نتائج سياسات صندوق النقد الدولي، وعدد آخر من المؤسسات المالية المماثلة، أنها «مخلب القط» في يد الاستعمار الحديث. إذا كان المجتمعون في نيويورك قد حاولوا استغلال المناخ العام السائد في العالم اجمع على اثر أحداث سبتمبر الماضي، ووصم مناهضي العولمة بالإرهاب باعتبار أن أطروحاتهم تشجع على معاداة الولايات المتحدة، باعتبارها معقل الشركات الكبرى الأكثر شراهة في تحقيق الأرباح على حساب الشعوب المطحونة، فأن المجتمعين في بورتو أليجري تنبهوا إلى تلك المحاولة التي تشبه التآمر عليهم، وقرروا تفويت الفرصة على الإعلام المعادي لهم، ورفعوا صوتهم عاليا وأدانوا الإرهاب قبل كل شيء، ولكنهم على عكس دعاة العولمة، قرروا تمييز الإرهاب عن العنف الناتج عن النضال من أجل الحصول على الحقوق المشروعة للجماعات والمجتمعات والشعوب التي تواجه عدوا أقوى منها وأكثر تسليحا. الطريق الأمثل ونظرا إلى أن المجتمعين في بورتو أليجري يهدفون في المقام الأول إلى البحث عن الطريق الأمثل لتطبيق العولمة في شكلها الاقتصادي، مع مراعاة الجوانب الاجتماعية التي تحقق حياة أفضل لمن لا يملكون الأدوات الكافية لمساواتهم بالشعوب المتقدمة، فقد ذهبوا إلى ابعد من بعض المحللين الأكثر موضوعية في منتدى دافوس، فحذروا من أن المناخ السائد في الغرب بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص، نتيجة لأحداث سبتمبر، يمكنه أن ينتج شخصيات شبيهة بالمكارثية. لأن حمى البحث عن ذلك «الفاعل» المجهول الذي خطط ونفذ اعتداءات نيويورك وواشنطن خلقت شخصيات أقرب إلى شخصية «مكارثي» في بحثه عن الشهرة من خلال خلق أوهام حول «الخطر الشيوعي» في الولايات المتحدة، وكانت النتيجة المحاكمات الشهيرة التي راح ضحيتها الآلاف من المثقفين والفنانين وتبين بعدها بسنوات أنهم أبرياء، وقد برز بالفعل العديد من دعاة البحث عما يشبه الأشباح غير المحددة الهوية باعتبارها مسئولة عن أحداث سبتمبر، مثل الدعوات التي يطلقها البعض عن «صراع الحضارات» والتي يعتبر المحللون الجادون أن مجرد ترديدها يمكن أن يؤدي بالفعل إلى صدام حقيقي ما لم ينتبه إلى خطرها القائمون على وضع السياسة وتنفيذها في مختلف المناطق المرشحة لهذا الصراع في العالم. وان كانت بالفعل خطوات قد اتخذت تعتبر تهديدا للنظام السياسي الغربي نفسه المتمثل في الديمقراطية، حيث يرى المحللون أن أخطر ما نتج عن تلك السياسة الموجهة للبحث عن ضحايا يمكن تقديمهم على مذبح «الحقيقة»، هي تلك المحاكم «الاستثنائية» التي أصدر الرئيس جورج بوش قرارا بإنشائها لمحاكمة من «يشتبه فيهم» أمام محاكم عسكرية لا توفر الحد الأدنى من العدالة، وأحكامها غير قابلة للنقض ولا المراجعة. على الرغم من كل هذا فإن متابعة ما يحدث على الجبهتين: الشمالية في نيويورك والجنوبية في بورتو أليجري يكشف عن إمكانية التوصل في يوم ما إلى «عولمة بديلة»، أكثر تقنينا يمكنها أن تحقق المطالب الإنسانية التي تدفع بالجنوب المتخلف خطوات إلى الأمام، فيقترب من الشمال المتقدم، ويضمن بالتالي تقريب الفوارق التي تخفف من حدة الصراع بين الشمال والجنوب، وتحوله من صراع إلى حوار بناء يصب في صالح الجانبين. السلام بين الشمال والجنوب مرتبط بفتح الحدود أمام جميع مكونات تلك العولمة، ولا يجب أن يقتصر فقط على حرية الحركة الممنوحة لرؤوس الأموال كما هو الوضع الراهن، الشمال والجنوب، دافوس وبورتو أليجري، محكوم عليهما التفاهم والتوصل إلى صيغة تحقق ولو بعض أهداف كل جانب، حتى يمكن تحقيق تعايش افضل في العالم، وإذا لم يحدث هذا التقارب فان النتائج ستكون أكثر رعبا مما حدث في يوم الثلاثاء الدامي في نيويورك وواشنطن. ـ كاتب مصري مقيم في اسبانيا