مشاعر الشعراء تختلف عن كل الناس، إذا شُحنت قلوبهم ـ وهي دائما في حالة تفاعل ـ بحالات الزعل، أو قسوة الظلم، أو عنفوان الحب، فإنها تولّد أعذب الكلمات، تعطينا القصيدة. من غير الشعراء يمكن أن يبدع لحن الكلمات ونشيد الصور الجمالية التي تحملها القصائد، ومن غيرهم يمكننا أن نسكنه في قلوبنا. انهم يمنحوننا العشق أو يثيرون فينا الغضب، يفرضون علينا اليأس أو يرسمون لنا الحلم والأمل، إنها قصائدهم، كلماتهم التي تتحول إلى أشجان أو وصايا لا تنتهي ولا تموت، نرددها او نشتهيها في أزمنة شتى وفي بقاع مختلفة. عن سن الأربعين إذا اقبل عليها الإنسان، وهو موضوع الاستراحة الماضية، فان اجمل من كتب مشاعر المرء متى ما بدأ الخطوة الأولى في هذا الفصل الجديد من حياته، هم الشعراء. كثيرون كتبوا في وصف العمر، عن صبا الشباب وضباب الشيخوخة، وقليلون الذين تحدثوا عن سن الاربعين كمفصل مهم ومتغير جذري في سلسلة سنوات العمر. من هؤلاء القلة الذين كتبوا مشاعر الاربعين في قصيدة، يبرز الأمير بدر بن عبد المحسن والدكتور مانع سعيد العتيبة، الأول بالنبطي والثاني بالفصحى. اختار كل منهما ان تكون الرسالة الموجهة نحوه، او المخاطب في القصيدة هو ابنته.الطفلة « العنود » والطفلة «اروى»، يحكي الأب فعل الوقت فيه، وتجربة الايام، ماذا اعطته وماذا اخذت، وملخص عمره الماضي: ما أراده وما حققه وما يفتقده. وكيف هي الحياة بعد تجربة هذه السنوات الاربعين؟. يقول الامير بدر بن عبدالمحسن في رائعته النبطية: أدري ان الوقت يذهب ما يعود أربعينٍ فارقتني يا العنود ماطر الايام من غيم الزمان ما يبل الريق لو مهما يجود كم شربته باردٍ صافي قراح ما دريت ان الظمأ سر الوجود كل شمسٍ تلمس اشجار العمر تحرق الاوراق وتجف الفنود وكل ريحٍ تدفع شراع العمر ينقطع به حبل ويميل العمود أربعينٍ مرت وتوي صغير انتظر لا عل تصدق لي الوعود والغريب أني على هذا مغبوط أدري اني بخير لا شفت الحسود الزمن يا بنيتي كله زوال ما تخلد كود لحظات السجود أما الشاعر الدكتور مانع سعيد العتيبة فقد نظم قصيدته بابوظبي في العاشر من مايو من العام 1986 ـ واتعمد هنا ذكر التاريخ الذي ذيل به قصيدته مذكرا وباحثا عن رائعة اخرى من الشاعر تحمل مشاعر ما بعد الاربعين ـ قصيدة « الاربعون» التي تقع في اكثر من مئة وثلاثين بيتا تشبه ملحمة شعرية تتحدث عن قصة الحياة وكفاح انسان هذه الارض قبل النفط ومابعد عصر البترول. فيها سيرة حياة الشاعر منذ ميلاده ومرحلة غربته واغترابه عن بلده وحنينه الى اهله ووطنه، عن ذكريات الغوص في دلما وعن شبابه في أبوظبي وعن حبه واخلاصه لدولة الاتحاد. تقول بعض أبيات القصيدة: أيّ أشواكٍ ووردٍ تجمعينا يا بلادي أيّ ذكرى تُرجعينا هذه الليلة من عمري لها يقف العمر ببأسي مستعينا ويصلّي في دجاها خافقٌ انت شمس الحب فيه تسطعينا لم يزل طفلا ومحتاجا الى صدرك الحاني برغم الاربعينا أربعون اليوم حلّت مثلما حلّ ضيفٌ في ديار الاكرمينا ايها الضيف الذي مرّ كما مر حلمٌ في ديار الاكرمينا لست في الواقع الا خطوةً في طريق الموت لكنا رضينا واحتفلنا بك لا عن رهبة بل على عادات قوم جاهلينا لو عدلنا لبكينا عندما جئتنا يا ضيف تعطينا اليقينا انّ للعمر صباحا راحلا ومساءً حلّ مثل الهم فينا أربعون اليوم مرت وانا لم أزل بالعمر ألهو مستهينا هذه الليلة جاءت ابنتي تحمل الشمعة بين المحتفينا قلت :و«أرواه» هذي شمعتي كل عمري ألعمري تطفئينا؟ ضحكت أروى وهل تفهمني طفلةٌ تلهو بجد الاخرين في غدٍ يا طفلتي تدرين ما كان في قلبي وقد تستدركينا لا ينسى العتيبة في هذه الرائعة الشعرية ان يصف مشاعره كعربي وحال أمته، أمته المسلوبة والمنكوبة التي حلّ فيها الذل والهوان بأفعالها واستسلامها. ويذكر بكل فخر واعتزاز دور القائد زايد الذي سخره الله لهذه الارض وهذه الامة : وهب الله لشعبي ثروة وزعيما خالدا دنيا ودينا سخر الثروة لشعب وهل غيره أبدى لنا عطفا ودينا انه « زايد» يا أروى اقرئي كتب التاريخ لماّ تكبرينا