هل حقا يريد شارون تدمير عرفات نهائيا؟ وإذا كانت الاجابة بالايجاب فلماذا؟ أي ما هي الفائدة التي يمكن ان يجنيها شارون من اقصاء زعيم فلسطيني يعتبر «معتدلا» بالمعايير الفلسطينية السائدة على خلفية فوران وطني مسلح؟ مجلة «اكونومست» اللندنية روت هذا الاسبوع القصة تفصيلا واذا كان للقصة مغزى واحد فهو ان اليمين الاسرائيلي الذي يمثله ارييل شارون يرى ان اسرائيل بقبولها الدخول في اتفاق اوسلو ارتكبت في حق نفسها اثما عظيما وان واجب حكومة اليمين المتطرف تصحيح «الخطأ». فالارض «التوراتية» المقدسة (الضفة الغربية) غير قابلة للتفاوض. ومعنى ذلك ببساطة ان الفلسطينيين قوم طارئون على الارض، وبالتالي فإن مصيرهم النهائي يجب ان يكون اما الطرد منها (الى الاردن) او البقاء فيها كعبيد.. او في افضل الاحوال اجانب مضطهدين. تقول رواية «اكونومست» ان آخر ما يريده شارون هو ان يقع في «فخ تفاوضي» مع عرفات للحديث عن السلام او المستوطنات اليهودية. ان ما يريده شارون ـ تضيف الرواية ـ هو اقصاء عرفات وما تبقى من سلطته المركزية عن اجزاء من ارض الضفة. لقد اعلن رئيس الوزراء الاسرائيلي والمتحدثون باسمه مرارا وتكرارا انهم غير راغبين في اي تفاوض مع السلطة الفلسطينية. لماذا؟ تقول الرواية: لانهم مصممون على تجنب ابداء اي تنازلات مما تتطلبه اي عملية سلام. لكن يبقى سؤال تكميلي: اذا كان شارون يرفض بصورة مطلقة مبدأ التفاوض مع عرفات وسلطته الوطنية، فهل هناك جهة فلسطينية اخرى يرغب في التفاوض معها؟ اذا اختفى عرفات نهائيا من المسرح السياسي الفلسطيني فإنه يتبقى صنفان من الشخصيات القيادية: العناصر الملتفة حول عرفات او «رجال الرئيس»، وهم شخصيات تقليدية قدم كلهم تقريبا من الشتات. ومن الناحية الاخرى هناك قادة المقاومة الميدانية المسلحة ـ «فتح» و«حماس» و«الجهاد». على الصنف الاول يراهن. ورغم ان من المفترض ان شارون توخى حسابات دقيقة في هذه المراهنة «الا انه سوف يصطدم حتما بحقيقتين بشأن هذه الشخصيات التقليدية: اولا: ليس من بينهم واحد يحظى بشعبية في مستوى شعبية عرفات. ورغم ان عرفات نفسه خسر قدرا كبيرا من شعبيته فإنه لا يزال في نظر قطاعات الشعب الفلسطيني كله الرمز التاريخي للكفاح الفلسطيني. ثم ان هذه العناصر متهمة جماهيريا بالفساد. وكون انهم حتى الآن محصنون ضد اي ملاحقة او عقاب فلأنهم يبقون تحت مظلة عرفات. فاختفاء عرفات من المسرح بصورة او اخرى سوف يعني حتما نزع هذه الحصانة عنهم. ثانيا: قد لا يكون اي من هذه العناصر التقليدية راغبا في الدخول في مساومات تفاوضية خطيرة مع شارون ورجاله بعد اقصاء عرفات. ففي هذه الحالة سوف تدمغهم منظمات وجماهير الشعب الفلسطيني بالخيانة وبالتالي قد تكون هذه بداية النهاية لحياتهم السياسية. باقصاء عرفات سوف يجد شارون نفسه اذن وجها لوجه مع قادة المقاومة المسلحة. لكن القصة كما ترويها «اكونومست» لن تنتهي الى هذا الحد اذا اقدم شارون فعلا على تدمير عرفات سياسيا او جسديا. فتدمير عرفات او اقصاؤه بأيد اسرائيلية سوف تتعدى اثاره الحدود الفلسطينية لتنعكس على العواصم العربية كزلزال قد يفرز ثورات في الشارع. ويبقى تحذير تبرعت به هذه المجلة اللندنية الى الولايات المتحدة اذا واصلت تواطؤها وتضامنها مع مخطط شارون والى الحكومات العربية اذا واصلت سكوتها الشائن. احمد عمرابي