يبدو في حكم اليقين الراسخ ان مرحلة متقدمة من الصراع على وطننا العربي قد بدأت، ولاحت في الافق ملامحها واطرها وادواتها، وهي مرحلة غير مسبوقة، يعلو فيها صوت الافكار على صوت الرصاص والقنابل، فهي معركة للسيطرة على العقول، قبل كل شيء، وبعدها تكتمل السيطرة على كل شيء، الارض وما في بطونها من ثروات، وما على ظهورها من بشر. ويقف المثقف العربي متقدما على صانع القرار في قلب هذه المعركة التي تدور في فضاء واسع، وتُصب حممها عبر المطابع والأقمار الصناعية، وتُضخ منظومات من الافكار المدعمة بالصور الجاهزة، لتكتسح أفكارا وقيما اخرى يراد اخراجها من سياق الحياة، وايداعها في توابيت متحفية، بحيث تفقد تأثيرها نهائيا، وتتركنا دون سياج قيمي يحصن وطننا ضد المنظومة الغربية التي يراد لها السيادة، ويستهدف قادة الحرب الجديدة ان يجعلوها البوصلة البديلة التي نستهدي بها في صحونا ومنامنا. ويتفوق صناع المعركة الجديدة على أسلافهم من قادة الغزوات الصليبية أو «حروب الفرنجة» ومن تلاهم من قادة الحركات الاستعمارية في العصر الحديث، رغم اتفاقهم جميعا على ان المُبشّر أو المستشرق يأتي أولا ممهداً الطريق أمام الغزو العسكري، سواء تم بالبوارج في البحر أو بالجيوش على البر. ففي عصر العولمة، حيث فقدت الحدود الوطنية أهميتها وتلاشت المسافات، وتلاقت الدول والشعوب في فضاء واحد، يختزل الجغرافيا ويطمس التاريخ، تكتسب معركة السيطرة بالأفكار زخماً وقوة لا حدود لهما، ويصبح الاتصال الالكتروني، والبث الفضائي وسيلة متاحة لصراع السيطرة على العقول، وترجح الكفة لصالح من يمتلك هذه الأدوات، ويوظفها في اطار مخططه ولتنفيذ رؤيته للعالم وعلاقاته مع باقي الأقاليم. وحتى لا نغرق في التجريد والتهويمات، يكفي ان نراجع بعضاً مما جرى في الفترة الأخيرة، وما دار من خلاف حول المصطلحات والمفاهيم كمرحلة اولى في حلقة الصراع الجديد، وخصوصاً ما يتعلق بالارهاب والمقاومة، وما يتفرع عنهما من قيم موجهة للعمل وللحوار بين الغرب ومن يدور في فلكه من كيانات من جهة والعرب والمسلمين من جهة أخرى. فلقد روّج الغرب عبر قادته ومفكريه لمفهوم غامض يفتقر لمحددات التعريف العلمي لـ «الارهاب» وبدلا من الدخول في حوار تفاعلي مع الآخر وباقي حضارات العالم، للتوصل لتعريف للارهاب، تركه مفتوحاً، يُدرج في اطاره من يريد من المتمردين على سياساته، او المطالبين بحقوق شعوبهم المشروعة. وبدلا من حشد العالم حول جهد دولي لمحاربة الارهاب بمعنى «اللجوء للعنف والقوة كوسيلة للابتزاز، وتحقيق مكاسب فردية غير مشروعة» جعل الغرب الوضع غامضاً ويسمح بالخلط بين الارهاب كفعل مذموم والمقاومة كعمل انساني مشروع، مما جعل كيانا عنصريا ارهابيا قام على مقولة «أنا أقتل اذن فأنا موجود» التي صاغها الصهيوني جويتسكي وتلميذه مناحم بيجين، يُمعن في حربه الارهابية لاستئصال ما تبقى من الشعب الفلسطيني على أرضه، رافعاً شعار محاربة الارهابيين. وعوداً الى جذر المشكلة، نجد أن المثقف العربي مطالب بأداء دوره الطبيعي في المعركة الجديدة، معركة وصراع الأفكار، دون التوقف عند حد رد الفعل وتلقي ما يطرحه الآخر، بل يتجاوزه الى محاولة التأثير في الاوساط الثقافية الغربية، خصوصاً تلك الجماعات التي تتحمل عبء فضح جرائم العولمة وكشف الوجه القبيح لها، والاستفادة من آلياتها وتوظيفها لوسائل الاتصال الحديثة مثل «الانترنت» التي حولها الى قوة مؤثرة تفوق تأثير الأحزاب التقليدية.. فهل نحن فاعلون؟