لا شك أن لأجهزة الاعلام المختلفة تأثيرا كبيرا في تشكيل الوعي المجتمعي، بل هي في الواقع أقوى العوامل الفاعلة في هذا التشكيل. ودورها يأتي موازيا للدور الذي تقوم به أجهزة التعليم وأجهزة الثقافة وغيرها من الأجهزة التي تتولى صياغة الوعي المقبول أو المفروض، المستحسن أو المكروه، من أنماط السلوك الاجتماعي في دائرة الاخلاق والقيم، الجمالية على السواء. ويمكن القول ان تأثير أجهزة الاعلام على وجه التخصيص يفوق في شمول مداه وسرعة الاستجابة اليه وتعدد دوائره الأجهزة الموازية للتعليم والتثقيف، ذلك لأن أجهزة الاعلام المتعددة ووسائله المختلفة تصاحب المواطن من باكورة الصباح الى وقت النوم، وهي تتنوع ما بين الجريدة الصباحية والمسائية، والاذاعات التي يمتد ارسالها على مدار ساعات اليوم، شأنها في ذلك شأن الارسال التلفزيوني المحلي وغير المحلي بقنواته التي لا تحصى وفضائياته التي أحالت الكوكب الارضي الى قرية صغيرة لا تخفى فيها خافية. واذا تصورنا العلاقة بين أجهزة الاعلام والجماهير المتأثرة بها على انها علاقة ارسال واستقبال لرسائل أو صور بعينها، وذلك في دائرة من التفاعل المستمر الذي يتسم بالصيرورة، فإن الرسائل التي تبثها هذه الأجهزة والصور التي تقدمها يبقى تأثيرها حاضرا في ذهن الجمهور الذي يستقبلها ويتلقاها، والذي سرعان ما يستجيب اليها استجابة الصديق نتيجة إلحاح التكرار من ناحية، ووسائل الاقناع المصاحبة بكل ما ينطوي على معاني الاغواء وابراز ما يدفع الى التسليم من ناحية مقابلة، ويلعب التعود في هذا المجال دورا مهما، موازيا لدور التكرار الذي لا يكف عن إلحاحه وتنويع مجالاته الى أن يتمثل الجمهور المستقبل الرسائل المرسلة على أكمل وجه يقصد إليه مرسلو الرسائل الاعلامية. ويؤكد ما نراه في واقع الحياة اليومية ان الرسائل التي تبثها أجهزة الاعلام المختلفة لا تقتصر على شكل واحد، وانما تتغير بتغير الوسائط التي تبث خلالها، ما بين جريدة ومجلة أو اذاعة وتلفزيون. ولا تتنوع الرسالة الاعلامية بتنوع الوسائط أو الوسائل فحسب، وانما تتنوع أيضا بتنوع المعالجة، فتغدو الرسائل مباشرة في بعض المجالات والمستويات، أو تغدو غير مباشرة في مجالات موازية، هي مجالات الفن الذي يستخدم المجاز لا الحقيقة، والكناية لا الواقع، والرمز وليس الفكرة المباشرة. واذا كانت الرسالة الاعلامية تتلون بتلون الوسائط التي تصل الينا من خلالها، حيث تتوافق المادة الاعلامية مع الشكل الذي تمنحها اياه الوسائط الاعلامية، فإن هذا التلون يتحقق في المدى الذي يفصل بين المباشرة وغير المباشرة، وذلك على النحو الذي تغدو فيه المباشرة حاسمة في تأثيرها في المجالات التي تستدعيها، والتي تستلزم ذكر الحقائق المجردة والأرقام العارية والظواهر البارزة. وعلى العكس من ذلك المجالات الفنية والمستويات الابداعية، حيث تغدو المباشرة مذمومة، والتعليمية الزاعقة علامة ضعف، ويستحسن الالماح والرمز والتمثيل الذي يقدم الحقيقة من وراء المجاز، ويضع المعلومة في قالب الحدث الدرامي، أو على لسان الشخصية الفنية المخترعة في الاعمال الدرامية. ويغدو الاعلام أقوى تأثيرا بالطبع عندما يتزايد الاعتماد المتبادل بين الوسائط الاعلامية، ويحدث نوع فعال من التجاوب بين الوسائل السمعية والبصرية والوسائل التي تجمع ما بين السمع والبصر في آن وبقدر قوة تأثير التجاوب الذي أتحدث عنه، في مجال العلاقة بين المستقبلين والمرسلين، فإن هذه القوة تجد ما يضاعفها في التقدم التقني الذي يلحق بأجهزة الاعلام، ويساعدها على تحقيق المزيد والمزيد من التأثير. ولقد شهد القرن العشرون تطورا هائلا متسارعا في تكنولوجيا الاتصال، وانعكس بدوره على وسائل الاعلام، وأدى الى تغيرات كبيرة في شكلها ودورها ومضمون الرسالة التي تحملها، وظهرت تقنيات الاتصال عن بعد التي استخدمت على نطاق واسع في مجال الاعلام بظهور الراديو والتلفزيون، بوصفهما وسائل اعلام جماهيري استطاعت - خاصة مع التطور في نظم الاتصالات الفضائية عبر الأقمار الصناعية في النصف الثاني من القرن العشرين - أن تعطي لوسائل الاعلام مجموعة من الميزات المؤثرة. تتمثل أولاها في: قدرة على تجاوز حدود المكان بصورة مذهلة، وتتمثل ثانيتها في: قدرة موازية على مخاطبة جموع واسعة من الجماهير في الوقت نفسه. وهي امكانات لم تكن متاحة دون هذه الثورة في مجالات الاتصالات وتطبيقاتها في الاعلام. وقد أعطت هذه الامكانات التقنية للاعلام امكانات غير محدودة، ساعدته على ان يلعب دورا مهما ومتزايدا في تشكيل الوعي المجتمعي، خصوصا بعد أن أصبح في مقدور من يصوغون الخطاب الاعلامي، ويتحكمون في رسائله، أن يتوجهوا به ليس فقط الى قطاعات جماهيرية شديدة الاتساع داخل مجتمعاتهم، بل كذلك الى المجتمعات الاخرى خارج دولهم. وقد تدعم هذا الوضع بعد ان استطاعت ثورة الاتصالات المعاصرة احالة الكوكب الارضي الى قرية كونية صغيرة، تنتقل بينها الرسائل الاعلامية في سهولة ويسر، الأمر الذي أدى الى احداث تغيرات جذرية في مفاهيم المكان الذي تداعت مسافاته الشاسعة وأصبحت مختزلة الى أبعد حد، ومفاهيم الزمان الذي لم يعد يفصل بين جوانب القرية الكونية التي اصبحت صغيرة بالفعل.. لا تعرف حواجز الزمان أو المكان التقليدية. وقد أتاح ذلك لأجهزة الاعلام الأقوى في الدول الكبرى بث الرسائل الاعلامية المختلفة التي تؤكد هيمنة هذه الدول على الشعوب الاقل قوة، والأمم الأضعف تأثيرا، وذلك في علاقات الصراع الدولي التي تقوم على فرض السطوة والهيمنة بوسائل متباينة، على رأسها اجهزة الاعلام التي تدعمت بالفضائيات، والتي اصبحت تفرض رسائل الدول الأقوى على الدول الأضعف بشتى الاساليب، وذلك بهدف ابقاء السيطرة السياسية والاقتصادية والثقافية للدول الأقوى على الدول الأضعف. ولذلك أخذ بعض علماء الاجتماع المعاصرين يتحدثون عن الاستعمار الثقافي الجديد، قاصدين الى التأثير السلبي الذي تمارسه الدول الأقوى من خلال ما تملكه من وسائط اعلامية تقليدية وغير تقليدية، خصوصا بعد أن أصبح للوسائط غير التقليدية التي تتصدرها الفضائيات والانترنت ما لها من التأثير الاعلامي غير المسبوق في تاريخ البشرية، ويدعم ذلك ما نراه من توجه اجهزة الاعلام القوية للدول العظمى في صياغة وعي الشعوب الفقيرة أو التابعة، حسب ما يوافق مصالح الدول العظمى بالدرجة الأولى، ويؤكد هيمنتها الثقافية التي لا ينفصل معنى الاتباع فيها عن معاني التبعية السياسية والاقتصادية. هذا الوضع المتقدم عالميا يفرض نفسه علينا بوصفنا نقع في المنطقة الأضعف من الكرة الأرضية، والأضعف دائما في موقع الاستجابة الى الأقوى، شأنه في ذلك شأن المغلوب المولع بتقليد الغالب كما يقول ابن خلدون. لكن هذا الأضعف له خصوصيته الاعلامية، وذلك من حيث انه يعتمد على وسائط اعلامية خاصة به، وسائل ترتبط بأدوات الاتصال الجماهيري التي لا تقتصر في مجتمعاتنا العربية على الجريدة والمجلة والاذاعة والتلفزيون، بل تجاوز ذلك الى خطباء المساجد، وصناع شرائط الكاسيت التي يبثون بواسطتها ما يشاءون من رسائل، على رأسها اليوم رسائل التطرف الديني. والى جانب الكاسيت هناك المنتديات غير الحكومية، والتي لا تكف تجمعاتها عن صياغة رسائلها الاعلامية الخاصة، واشاعتها بواسطة المشافهة أو الشرائط أو حتى أجهزة الانترنت كما أصبحنا نشاهد اليوم. وقد بلغ من قوة أدوات الاتصال الجماهيري هذه في العالم الثالث أن أسهمت بقوة في قلب نظام الشاه في ايران، واتسعت بحضور ما يسمى بالاسلام السياسي الى حد بعيد. واذا كانت الرسائل الاعلامية التي تصل عبر الاذاعة والتلفزيون تتميز بإمكانية مخاطبة أولئك الذين يجهلون القراءة والكتابة، واصبح لها تأثير كبير على الجمهور المتلقي الذي يكتسب كثيرا من معارفه وقيمه من خلال ما تبثه وسائل الاعلام ـ أقول اذا كان ذلك ما يميز اعلام الاذاعة والتلفزيون فإن اعلام المشافهة غير الرسمي، مضافا اليه التقنيات المسموعة والمرئية التي تستخدمها المجموعات الموازية للدولة، أصبح له من التأثير ما يفوق تأثير الاعلام الرسمي في حالات كثيرة، بل في مجتمعات يمكن لبعضها أن يصدر فتاوى بتحريم مشاهدة التلفزيون كما حدث في افغانستان.