بصدور قرار فلسطيني بوقف العمليات الاستشهادية اعتبر كثيرون أن القرار مقدمة لوضع القطار الفلسطيني على الطريق الصحيح «طريق التفاوض»، وبغض النظر عن الموقف المبدئي من العمليات الاستشهادية كأداة للصراع مع العدو الصهيوني، وهي قضية، أثير حولها غبار من زوايا مختلفة: فقهية وأخلاقية وإنسانية دون أن ينال الجدل من مشروعيتها على المستويات كافة،فإن الانتصار لخيار وقف العمليات كان نوعا من الترجيح السياسي،بوصفه بديلا ضمن سلة من البدائل تحتم كل مرحلة اختيار ما يناسبها . ولا شك في أن الفلسطينيين في الأرض المحتلة يملكون تقرير الانحياز إلى الخيار الذي يرونه الأنسب للساحة الفلسطينية ويرجحون أنه قادر على تحقيق الأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني . أو كما يقول المثل العربي السائر : «أهل مكة أدرى بشعابها ». وبغض النظر عن مدى احتمال استمرار سريان مثل هذا القرار أو التراجع عنه،وهو أمر تحكمه في المقام الأول المعطيات الواقعية المباشرة داخل الأرض المحتلة إخضاعه للتحليل و القويم يظل مشروعا وضروريا في آن. والإقرار بالحقائق السالفة الذكر ينبغي أن يوضع في إطار أوسع من النظر،فاحترام هذا القرار لا يمنع من وضعه موضع التحليل والتقييم : أولا في إطار ما ينبغي مبدئيا،وثانيا في ضوء خبرة التعامل مع الكيان الصهيوني،وثالثا في ضوء التجارب التاريخية المماثلة . كما أن الإقرار بحق الفلسطينيين في اتخاذ القرار يعني أن يصدر القرار معبرا عن الشعب الفلسطيني كله لا عن السلطة الفلسطينية وحدها. والقرار كما هو واضح صدر تحت ضغط إكراهات واقعية داخلية وخارجية عديدة من التزيد إنكارها أو تجاهل آثارها.فالصهاينة يشعرون أنهم في لحظة تتوافر فيها كل الشروط الملائمة لإحراز انتصار،أو بلغة أخرى إجبار عرفات على تقديم تنازل كبير،وهم يتحركون واضعين نصب أعينهم الظرف الدولي المترتب على أحداث الحادي عشر من سبتمبر،وما تلاها من تداعيات أضرت بصورة كل ما هو عربي ومسلم،كما أنها خلقت مناخا سياسيا وإعلاميا عالميا مؤهلا بقوة لقبول الخطاب الصهيوني بمستوييه السياسي والإعلامي. ولكن ... لا يجوز أن يعتبر ما هو قائم في الواقع معيارا وحيدا،فما ينبغي أن يكون معيارا يجب أن يظل حاضرا دائما بقطع النظر عن موازين القوى.ومما يؤكده الواقع أن الكيان الصهيوني جزء من مشروع أكبر يستهدف الأمة العربية.وكثيرون لا يعرفون أن بعض شرائح النخبة السياسية العربية في النصف الأول من القرن العشرين لم تر أبعاد المشروع الصهيوني كلها ورأت أن بالإمكان قبول وجود «المهاجرين اليهود »على أرض فلسطين كما كان اليهود موجودين في كثير من الأقطار العربية لقرون. والنظر إلى توقف العنف بوصفه بحد ذاته انتصارا للنظرة الواقعية مؤشر خطير على ما آل إليه تصورنا لمعنى الواقعية،فمنذ تدشينه في مؤتمر بازل لم يكن المشروع الصهيوني إلا مشروعا يقوم على العنف - المعنوي والمادي على السواء - أما الكيان الصهيوني فحدث عنه ولا حرج،فالعنف جزء من بنية الفكر وسمة رئيسة من سمات الممارسة لم تفارقه حتى الآن.ولا حاجة في مثل هذا السياق إلى تقرير حقيقة أن المشروع الصهيوني،في نشأته ومساره،واقعي حتى النخاع. فلماذا نسقط خيار العنف دون أن يسقطه العدو ؟؟ وكيف نتجاهل ما مارسه من عنف منذ وقع أول اتفاق تسوية مع طرف عربي دون أن يمنعه هذا الاتفاق من إسقاط خيار العنف ؟ ولماذا نقبل ربط وقف «العنف الفلسطيني» بالعودة إلى مائدة المفاوضات ولا نصر على معاملة العنف الصهيوني بالمثل ؟ ويحدث هذا رغم أن العنف الفلسطيني مشروع والعنف الصهيوني غير مشروع أي أننا تجاوزنا خطأ مساواة الجاني بالضحية إلى خطيئة إنصاف الجاني وإدانة الضحية.ومن المنظور الواقعي نفسه فإن النظر إلى مجرد جلوس الفلسطينيين والإسرائيليين على مائدة المفاوضات بوصفه - بحد ذاته - انتصارا عربيا يعد خللا جسيما يجيد العدو الصهيوني استخدامه من خلال «متوالية »من التسخين والتهدئة نصبح في نهاية كل منها مستعدين للجلوس على مائدة المفاوضات وقبول ما هو معروض علينا من مقترحات «واقعية ». والمفاوضات عملية مساومة يقتضي قبول خوضها تقديرا دقيقا للموقف التفاوضي والأوراق التي يمكن استخدامها والخطوط الحمراء التي لا يجوز تجاوزها،أي أن يصبح لهذا الفعل مضمون وأن تكتسب ألفاظه معاني محددة،وكل ما يحدث حتى الآن تنقصه هذه الشروط الموضوعية التي يصبح التفاوض بدونها عبثا أو انتحارا. ورغم أن كاتب هذه السطور ممن يرون التفاوض مع الكيان الصهيوني - حتى بالمعايير السياسية الواقعية - من المحرمات الدينية والوطنية على السواء،فإن هذا الخيار الذي أراه مرفوضا كان من الممكن - لو أحسنت إدارته - أن يأتي بنتاج أفضل بكثير مما تم الحصول عليه،سواء بالنسبة لمصر أو الأردن أو منظمة التحرير الفلسطينية.فلو اتخذ قرار التفاوض عربيا وتم تنفيذه بشكل جماعي لكانت هناك جبهة تفاوضية عربية أقوى من أي دولة تتفاوض بشكل منفرد،وهو ما لم يحدث حتى الآن رغم أن الحل التفاوضي أصبح خيار النظام الرسمي العربي. ومما يتناقض مع أبسط مفاهيم الواقعية أن من الخيارات التي سادت تجارب التفاوض العربي مع الكيان الصهيوني،التفاوض تحت مظلة أمريكية،رغم علم القاصي والداني والكبير والصغير أن الولايات المتحدة لن تستطيع - لأسباب ذات جذور عميقة في الوجدان والعقل الأمريكيين على السواء - أن تكون طرفا محايدا أو راعيا مؤتمنا أو وسيطا نزيها في أي مفاوضات عربية إسرائيلية . التفاوض الجماعي ومرجعية الأمم المتحدة وإشرافها،ليس كل ما تم إهداره في مسيرة التسوية التفاوضية،فافتقار دول المواجهة لأنظمة سياسية ديمقراطية عامل كان ذا تأثير كبير على موقفهم التفاوضي،إذ وجد الصهاينة أن بإمكانهم الاتكاء على هذه الحقيقة للابتزاز،وكان منطقهم بسيطا ومحرجا «حكوماتكم ليست منتخبة وقد يحدث غدا انقلاب ويأتي من ينقض اتفاقه معنا وبالتالي لابد من ضمانات واقعية لأمننا ». وبسبب غياب الديمقراطية عن بنية هذه الأنظمة - وضمنها الطرف الفلسطيني نفسه - أديرت المفاوضات إدارة سيئة وكان دور الدبلوماسيين العرب المحترفين ضئيلا بشكل مخيف،وفي غياب هذا الدور كان القبول والرفض قرار ملزم يتلقاه المفاوض العربي وهو على طاولة المفاوضات،وما حدث في مفاوضات أوسلو السرية كان قمة في سوء إدارة العمل التفاوضي . وإذا كانت المفاوضات ضرورة لا مفر منها : فهل يتعارض هذا مع حق الشعب الفلسطيني في المقاومة ؟ وهل هناك «تحرش »رسمي في بعض العواصم العربية بحق الفلسطينيين في المقاومة بكل الوسائل وضمنها العمل المسلح ؟ إن الجولة الأخيرة من التفاوض الفلسطيني الإسرائيلي «كامب ديفيد الثانية » كان مصيرها الفشل الذريع،وأسباب الفشل معروفة للأطراف كافة،فما الذي تغير في موقف أي من الطرفين إزاء القضايا الرئيسة «القدس - اللاجئون - السيادة الفلسطينية على الأرض» حتى يصبح الجلوس على مائدة المفاوضات هو ما ينقصنا ؟إن التقدير الذي استندت إليه القيادة الفلسطينية في قرارها بوقف العمليات الاستشهادية حاول أن يكون واقعيا وأن يتفهم أن استمرار أمة في حالة صراع دائم مستحيل،لكن هذا المنظور أغفل أن المفاوضات هي الأخرى لا يمكن أن تكون أبدية. وحتى الآن لم يتوفر لها أي من الشروط الموضوعية اللازمة لنجاحها. كاتب مصري