ربما يسجل المؤرخون بعد عشر سنوات او نحو ذلك من الان ان المرحلة المباشرة بعد احداث سبتمبر في الولايات المتحدة كانت بداية عودة عصر الفاشية في العالم كله بشقيه المتقدم والمتخلف. العصر الفاشستي السابق امتد خلال فترة ما بين الحربين العالميتين حيث بلغ اوجه في عقد الثلاثينيات واذا كان التاريخ العالمي الحديث يذكر لنا كلا من الزعيم الالماني ادولف هتلر والزعيم الايطالي بنيتو موسوليني كأشهر رمزين للموجة الفاشستية التي اجتاحت العالم، ابتداء من اوروبا، فإن انتشار ذلك الفكر في ذلك الزمان كان انعكاسا لحقيقة تحوله الى «موضة» عالمية. في قاموس اكسفورد تعرف الفاشية بأنها «نظام سياسي يميني يتميز بالافراط في سيطرة الدولة والتطرف القومي» ورغم تعدد التعريفات في كتب الفلسفة السياسية الا انها جميعا تجمع على ان اهم ما يميز النظام الفاشستي هو اعتماد اسلوب القسوة والعنف المطلق كوسيلة أوحد لتعامل الدولة والطبقة الحاكمة مع الخصوم السياسيين حتى لو كانوا سلميين سواء من ناحية المنهج الفكري او المسلك العملي، ولا يخفى بالطبع ان مثل هذا الاسلوب يتطلب بالضرورة الحتمية تغييب سيادة القانون وآليات العدالة القضائية بصورة كاملة او شبه كاملة. وهذا بالضبط ما نراه الان يتفاعل امامنا من خلال نموذج تعامل الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة مع احداث سبتمبر وتداعياتها داخل البلاد وخارجها وتردد اصداء هذا التعامل في اوروبا والعالم الثالث، ومع مرور كل يوم تزداد مساحة الفكر الفاشستي مع تلاشي مباديء حقوق الانسان وسيادة القانون والعدالة في تعامل الحكومات مع شعوبها سواء على مستوى الافراد او مستوى الجماعات: تستوي في ذلك الدول المتقدمة مع الدول المتخلفة، وهذا مما يمكن ان ينبيء بصورة مخيفة لعالم الغد، هكذا تقول المؤشرات والمقدمات المتوافرة حتى الان. لقد دشنت الولايات المتحدة المرحلة الجديدة باصدار تشريعات تؤدي عمليا الى تهميش الهيئة القضائية بالكامل تقريبا بمنح سلطات مطلقة تقريبا لاجهزة الشرطة والاستخبارات في اعتقال المشتبه بهم واحتجازهم لأمد غير محدود واستخدام كل الوسائل القذرة في عمليات الاستجواب. وسرعان ما انتقلت العدوى الى بريطانيا حيث اصدرت تشريعات مماثلة ورغم ان بريطانيا هي الدولة الوحيدة في الاتحاد الاوروبي التي تبنت قوانين ذات طابع فاشستي الا ان الاعتقالات العشوائية واحتجاز المعتقلين دون توجيه اتهامات محددة اليهم هو الان مسلك سائد في بقية الدول الاوروبية بل ذهبت حكومات اوروبا ابعد من ذلك فعمدت الى خرق قوانين دولها بتسليم المعتقلين في بلدان عربية واسلامية الى حكومات تطبق عقوبة الاعدام وهو اجراء محرم قانونا في كافة دول الاتحاد الاوروبي. وكما كان متوقعا فان هذا الاجراء الشاذ أدى الى تشجيع حكومات عديدة في العالم الثالث لاستثمار الفرصة لاجراء تصفية حسابات نهائية مع منظمات المعارضة الداخلية فتضاعفت بين يوم وليلة اعداد المعتقلين السياسيين ونشطت اعمال المحاكم الاستثنائية التي تمارس اجراءاتها خارج الساحة القضائية وللتشجيع الغربي لدول العالم الثالث لتقوية قبضة الحكم الاستبدادي في تلك البلدان ونسيان اي شيء عن الديمقراطية وحقوق الانسان اشكال اخرى فهناك دول كانت تعاني من عقوبات غربية فرضت عليها بسبب استيلاء انقلابي على السلطة فرفعت هذه العقوبات بعد احداث سبتمبر وهناك دول اخرى فرضت عليها عقوبات مماثلة بسب تجاوزاتها القانونية في قمع منظمات وقادة المعارضة رفعت ايضا عنها العقوبات وأوميء لها بمضاعفة القمع اللاقانوني. واجمالا تبدو صورة العالم المستقبلي قبيحة، واذا كان من الممكن تلخيص مرحلة ما بعد احداث سبتمبر في كلمة واحدة فهي ان تيار العولمة الاقتصادية يفسح المجال الان لتيار العولمة الأمنية.