في شهري يونيو ويوليو من عام 2000 أجريت الجولة الثانية من استطلاع الرأي الذي اضطلع به مركز أوروبا الوسطى بجامعة بالاكي في الجمهورية التشيكية. وقد أحلنا في هذا المقال وفي المقال الذي سبقه الى هذه الدراسة التي تمت في منطقة وسط أوروبا وقد كانت حتى أول التسعينيات داخلة ضمن، ما كان «يعرف باسم المعسكر الاشتراكي الذي كان يهيمن عليه ـ كما هو معروف ـ الاتحاد السوفييتي.. الذي كان تعمدنا هذه الاحالات أولا لكي نجدد المصادر التي نتابعها ونستقي منها معارفنا حول ما يدور في أرجاء عالمنا من جهة، ثم من جهة ثانية لكي نخفف من غلواء اعتماد الكاتبين والباحثين على المصادر الأمريكية التي باتت ـ كما هو معروف ـ أيضا ـ تشكل المصدر ـ العمدة كما قد نصفه في متابعة أحوال العالم الذي نعيش فيه. وكما ألمحنا في الجزء الأول من هذا المبحث ـ فقد دار استطلاع الرأي حول ما يراه المفحوصون أو الأفراد المستجوبون «بفتح الواو» أو المستجيبون من سبل لمقاربة ومن ثم حل المشاكل الكبرى التي تصادف كوكب الأرض ما بين محاولة انقاذ بيئة هذا الكوكب من مغبة التلوث الذي يلحق مياهه وهواءه ثم ينصرف الى حيث يصيب صحة البشر الذين يعيشون فوق سطحه وليس انتهاء بتعزيز ونشر التكنولوجيات التي تكافح هذا التلوث وتعمل على صون موارد الكوكب الأرضي في البر والبحر والنهر والغابة والقطبين المتجمدين عن مصير التآكل والنضوب أو النفاد ـ وهي التكنولوجيات «الصديقة للبيئة» كما أصبحت تسمى في أدبيات الاعلام. شراكة التنمية المستدامة هكذا بدأ استطلاع الرأي الذي عرضنا ونعرض له في هذا السياق في اطار مشروع أطلقوا عليه اسم «الشراكة من أجل التنمية المستدامة» وقد شملت جولته الثانية من الأسئلة المطروحة 34 فردا من المفكرين والاختصاصيين والباحثين المهمومين بهذه المشاكل الايكولوجية الكوكبية وكانوا ينتمون الى 16 بلدا.. حيث كان السؤال الأول المطروح عليهم في هذه الجولة الأخيرة من الاستطلاع هو: - كيف ترى السبيل الى نجاح تنفيذ هذه الشراكة ـ هذه الجهود التعاونية، رسمية كانت أو أهلية من أجل انقاذ وصون البيئة التي يعيشها كوكب الأرض بسكانه وموارده وامكاناته؟ الأموال الطائلة والتوجيهات التاريخية يلفت النظر في هذا السياق أن الاجابات لم تعرض مثلا الى اقتراحات برصد أموال طائلة رغم أهمية الأموال، ولا الى دعوة لتشكيل اللجان وعقد المؤتمرات والتئام الندوات.. ناهيك عما يمكن أن يتردد في أوطاننا السعيدة بالعالم الثالث من انتظار تعليمات الزعيم الملهم أو التطلع إلى توجيهات الرئيس المفدى التي سوف يبادر الفرقاء إلى وصفها بأنها « حيوية » ونفيسة » و«.. تاريخية ». بطبيعة الحال، يلفت النظر بالذات إلى أن الردود تلخصت أو كادت تتلخص في عبارة أساسية تقول : الحل الأساسي يكمن في احترام حقوق الإنسان واحترام قواعد وأعرف القانوني الدولي. وعلى مستوى التنفيذ الواقعي أو الميداني تضيف أغلبية الردود ما يلي : مطلوب إقامة مشاريع مشتركة بين الدول ومشتركة أيضا بين الجهات الحكومية والدوائر الأهلية « منظمات المجتمع المدني» على أن تتسم هذه المشاريع الداعمة للبيئة بطول الأجل وتكثيف العمق بما يعكس جديتها ويجعل منها عناصر تحقيق التغيير الجذري المنشود. حسنا مثل هذه المشاريع من شأنها أن تتطلب اعتمادات طائلة ومضمونة الإستمرار من أجل تمويلها.. فكيف ترون المصادر التي يمكن أن تستقي منها هذه الأموال ؟ في هذا الصدد قالت أغلبية الاستجابات أن أهم مصادر التمويل «ينبغي» أن يتمثل في مصدر أساسي وهو : فرض ضرائب أيكولوجية « بيئية » على الشركات المتعددة الجنسيات التي تمارس نشاطها على مستوى كوكب الأرض بأسره. الواقع والأمل ولقد وضعنا عامدين كلمة «ينبغي» بين علامات تنصيص ، ذلك لأن الإجابات كانت تصدر عن رؤية موضوعية لواقع الأحوال أكد أصحابها أن هذه الشركات المتعدية الجنسيات كما قد نعرفها في تسمية أخرى هذه الاحتكارات الدولية بل الكوكبية التي تتحكم في معظم موارد كوكبنا هي الأقدر من حيث الطاقة المالية فيما هي الأخطر أيضا من حيث مسببات التلوث بكل أضراره لبيئة الأرض وصحة المخلوقات وعليه ينبغي لها أن تتحمل النصيب الأغلب والأوفى من تبعات التمويل للمشاريع التي لابد من توجيهها لمكافحة التلوث وتنقية البيئة الكوكبية ـ ولكن هذه الاحتكارات العملاقة ستظل قادرة في رأي المستجيبين للاستطلاع على التملص من تبعاتها والتهرب من مسئولياتها.. إنها قد تدفع ولكن على مستوي ذر الرماد في عيون الناقدين وقد تتبرع ولكن على مستوى انما نطعمكم لوجه الله، وذلك دون أن تعرف يوما بتبعية المسئولية وهي للأسف قادرة على التهرب لديها أمهر المحامين وفي امكانها قطاعات شراء الميديا على مستوى الاعلان وهذا أمر مفهوم تجاريا.. ثم على مستوى الاعلام وهذا أمر يدعو ـ كما لا يخفى عليك ـ للألم الممض والأسف الشديد! لهذا التمس أصحاب الردود مصادر تمويل أكثر واقعية كما أسموها من أجل خلق وتنفيذ المشاريع الداعمة لبيئة الكوكب ومنها فرض الضريبة « أو رسم مدفوع» لقاء استخدام واحد أو أكثر من الموارد الكوكبية مابين حرم النهر الى مسطح البحيرة أو أعلى البحار أو كثبان الصحراء.. الخ كما اقترحوا مصدرا أخر تحت اسم «ضريبة الكربون الدولية» أو تحت اسم «تراخيص عوادم ثاني أكسيد الكربون» وهي الانبعاثات الناجمة عن تشغيل ماكينات الاحتراق الداخلية التي تتحرك بها الموتورات وتدفع كل أنواع المركبات الى الامام. وتلك ترجمة «بديهية للمبدأ الذي يتبلور استقراره في مفردات أو أدبيات الشأن البيئي حول العالم ـ مبدأ ان «الملوث «بكسر الواو» يدفع». فإذا ما اقيمت المشاريع، وعلى فرض ضمان التمويل.. كله أو جله من أجل تنفيذها ـ فماهي الجهة ـ الهيئة التي تتصورون ان يناط بها أمر التنسيق بين هذه المشروعات والمخططات التي تدور في اطار شراكة عالمية بل كوكبية؟ الأمم المتحدة منسقا غالبية الردود مازالت تجمع على أن منظمة الأمم المتحدة هي الجهة الأولى بالترشيح للاضطلاع بهذا الدور التنسيقي، وان كانت الردود تتباين من بعد في تحديد الجهة أو الدائرة التي ينبغي أن يناط بها هذا الدور ضمن منظومة الأمم المتحدة أو اسرتها وفروعها المنبثة في انحاء شتى من العالم: قال البعض أن الدور ينبغي أن يؤديه مجلس الوصاية التابع للجمعية العامة وقال اخرون انها لجنة التنمية المستدامة.. وقال فريق ثالث بهيئة مشتركة يتم استحداثها لتضم منظمات غير حكومية الى جانب منظمات دولية منها برنامج الأمم المتحدة للبيئة «في نيروبي» ومنظمة الاغذية والزراعة «في روما» ومنظمة الصحة العالمية «في جنيف». من جانب اخر كان للأمم المتحدة منتقدوها الذين احتوت ردودهم تحذيرا من بيروقراطية المنظمة وترهل اجراءاتها وتعقيدات وتشابكات صلاتها من دولها الاعضاء ومن ثم رشحوا منظمات خيرية تعمل على صعيد العالم مثل اوكسفام «الانجليزية المقر» أو أطباء بلا حدود «الفرنسية المنشأ» بعد أن اثبتت مثل هذه المنظمات كفاءتها ومرونتها وسرعة استجابتها في مكافحة الفقر وفي اقرار حقوق الانسان. في هذا المضمار ذهبت بعض الاستجابات الى مدى أبعد.. بغير مواربة رشحت أمريكا ـ نعم أمريكا للقيام بهذا الدور التنسيقي لمشاريع وجهود حفظ البيئة وحمايتها فوق كوكب الأرض ورغم ان هذه الردود ساقت أسبابا وجيهة بررت بها هذا الاختيار وفي طليعتها امكانات أمريكا المادية وقدراتها العلمية والتكنولوجية السوبر ـ متقدمة. وكان طبيعيا أن يضرب هذا البعض المثل من سجل أمريكا على النجاح في تنفيذ مشروع مارشال لتعمير أوروبا الغربية المدمرة بعد الحرب العالمية الثانية ـ وبالتحديد قدرتها على حشد الموارد وتعبئة الأموال من أجل انجاز ذلك المشروع الذي كان طموحا في تلك الفترة «أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات» - الا اننا نرى من جانبنا أن مثل هذا الخيار لا يتفق مع موضوعية، الطرح.. لأن تنسيق الشئون العالمية لابد وأن يتم من خلال آلية عالمية من جهة ـ فضلا عن أن أمريكا هي السبب ـ شخصيا في أكثر من 25 في المئة من أسباب التلوث ـ الكربوني بالذات ـ الذي مابرح يصيب صحة الكوكب ويقض مضاجع المعذبين بهذه المشاكل في جميع انحاء العالم. عشرة مشاريع ناجحة وبمناسبة نجاح مشروع مارشال، وتلك مأثرة مازالت تحسب في رصيد أمريكا ـ منذ كان سؤال الاستطلاع الرابع والاخير يدور حول نماذج النجاح التي يراها المفكرون والباحثون والسياسيون ورجال الاعمال وقادة المنظمات غير الحكومية ـ وبالتحديد النماذج الناجحة عالميا التي كانت عوامل مساعدة «كاتا ليست» على حدوث ـ أو احداث تغييرات ايجابية في هذا الجزء أو ذاك من عالمنا ـ على نحو ما يصفها البروفيسور بافيل نوفاشيك ـ الاستاذ بجامعة بالاكي التشيكية. انظر دورية بحوث ـ المستقبل ربع السنوية ـ ربيع عام 2001 والقائمة تستحق ان نستعرضها بإيجاز شديد وقد تصدرها عشرة من نماذج النجاح التالية في عصرنا على نحو ما بلورتها ردود المستجيبين: «1» التحول التقني واستخدام الآلة المدارة بطاقة البخار منذ القرن الثامن عشر فيما يعرف بالثورة الصناعية في أوروبا الغربية «انجلترا بالذات» ومانجم عنها من نمو اقتصادي واتاحة فرص جديدة العمالة ماهرة من نوع جديد. «2» ادخال توصيلات المياه الجارية وشبكات الصرف الصحي في اقطار شتى من أمريكا الوسطى وقارة أمريكا الجنوبية كانت محرومة منها حتى عقد السبعينيات ومنها مثلا بيرو وكولومبيا. «3» مشروع الصفقة الجديدة «نيو ديك» الذي دعا اليه وقام بتنفيذه الرئيس الأمريكي الاسبق فرانكلين ديلانو روزفلت وهو نموذج يجسد قدرة القطاع العام ومسئولية الدولة ـ الحكومة في مجال توليد العمالة ومن ثم تعزيز القوة الشرائية لدى جموع المستهلكين الذين يعملون في مشاريع قومية كبرى واذ يتقاضون اجورهم.. يشترون من اسواق السلع والخدمات ومن ثم تروج بضاعة التجار وتعود الحياة الى شرايين الدورة الاقتصادية في المجتمع.. وبفضل مشروع النيو ديل استطاع روزفلت أن ينقذ أمريكا من هوة الكساد الاقتصادي التي كانت قد تردت فيها منذ أواخر العشرين وحتى اوائل عقد الثلاثينيات. «4» تطوير وتحديث واستقراء تكنولوجيا المعلومات بكل مانجم عن ذلك من اثار عالمية ـ بل كوكبية سواء في مجال الاتصال الجماهيري «الميديا» أو مجالات العلم والتكنولوجيا «الحواسيب الالكترونية والاقمار الصناعية والالياف البصرية وما إليها». «5» ولاية «كيرالا» الهندية.. هي ولاية فقيرة نعم لكنها استطاعت بفضل كفاءة الادارة الاجتماعية ان تقضي على ثلاثي العالم الثالث وهو «الفقر والجهل «الأمية» والمرض» فاستحقت في نظر المستجيبين الذي نحيل اليه ـ ان تشكل نموذجا محمودا لقصة نجاح مهما كان تواضعها. «6» تجربة بنك جرامين في بنجلاديش أو ما اصبح يسمى في أدبيات التنمية المعاصرة باسم مصرف الفقراء واحيانا يطلق على التجربة أو الظاهرة في مجملها وصف الثورة الصامتة. ويكفي أن التجربة البنجالية «المسلمة حتى لا ننسى» عملت في رأينا على «تثوير» مفهوم البنك الذي ظل يعد تقليديا مؤسسة يصول فيها الاثرياء أو طالبي الثراء ويجولون لكي يصبح مؤسسة تتعامل مع الفقراء في القرى البسيطة وفي الاحياء الفقيرة من المدن ـ ولا سيما النساء الفقيرات.. وبنك جرامين يقدم قروضه المحدودة ـ المتناهية الصغر «ميكرو ـ سلفيات كما قد نسميها». لكي ينشئ الفقراء مشاريعهم الصغيرة يتعيشون منها ومن ثم تحفظ لهم الكرامة ثم تحفظ للبنك حقوقه وامكانات استمراره. «7» منظمة أطباء بلا حدود التي ضمت عناصر من المنتمين الى مهنة الدواء والعلاج ترجموا احساسهم الشريف النبيل بواجبهم الى سلوك انساني ومهني حيث يرى كل منهم في العالم قريته الصغيرة المحتاجة الى كل جهد طيب وايجابي وبناء. «8» نجاح الهند في عقد الستينيات في تطوير واستنباط أنواع ـ فصائل جديدة من الحبوب اغزر انتاجية وأكثر غلة وأوفر محصولا وهو نموذج مطروح لمواجهة مشكلة الانسان والغذاء في الألفية الجديدة على مستوى العالم كله. «9» تحقيق مشروع الاتحاد الأوروبي الذي اثبت ان الارادة السياسية، وروح المتابعة والمثابرة ووعي المصلحة المشتركة بين الأطراف يمكن أن تحقق بناء وحدويا مؤسسيا قبل ان تحققه العناصر التاريخية المعروفة من وحدة الثقافة أو آصرة اللغة أو رابطة التاريخ المشترك «نوهت الردود في هذا الصدد ـ وعلى وجه التحديد ـ بما افضى اليه الاتحاد الأوروبي من اثار ايجابية على مسيرة التحول الديمقراطي في اقطار حزامه الجنوبي وهي اليونان والبرتغال واسبانيا». «10» اصدار قانون «الأنواع المعرضة لخطر الانقراض» في الولايات المتحدة الذي كان من شأنه في رأي الاستجابات التي نحن بصددها أن تحول بمفاهيم كانت غامضة وغير محدودة بشأن حماية أنواع الحيوان والطيور والنباتات التي كانت مهددة بخطر الانقراض من فوق سطح الكوكب ـ الى حيث أمكن بلورة المفهوم وتجسيده في لغة قانونية بسيطة ولكن قاطعة وملزمة. وبعد.. فهكذا تحدثت ردود الاستطلاع العلمي الذي قامت به الدوائر العلمية في بلدان التشيك وقد اثرنا ان نقدم نتائجها على قدر ماوسعنا من عرض وتفصيل لعلها تحرك بعض السواكن على مستوى الدوائر العلمية وايضا الحكومية المسئولة المعنية بقضايا الشأن البيئي في بلادنا وهو شأن نرجو أن يتزايد ويتعمق الاهتمام به في مستقبل الأيام. ـ كاتب سياسي من مصر