نتفق ونختلف مع قناة «الجزيرة» في طروحات كثيرة فيما يتعلق بالشأن العربي والعالمي، لكننا بالتأكيد نختلف معها جملة وتفصيلاً حينما يتعلق الأمر باشاعة حالة مما يمكن تسميته بـ (ثقافة الفتنة)، هذه (الثقافة) التي بدت اوضح ما تكون في حلقة الثلاثاء من برنامج (الاتجاه المعاكس)، الذي يقدمه فيصل القاسم، هذه الحلقة التي استضافت صحفيين احدهما مصري هو (سيد نصار) وكويتي هو (نبيل الفضل) وكان محورها المبادرة العراقية الأخيرة التي حملها عمرو موسى ورفضت من قبل الكويت. اختصاراً نستطيع القول ان الاثنين جانبهما الصواب والمنطق وحتى ادب الحوار، خلال نقاشهما للقضية، مما انعكس سلباً على الجمهور، فخسر كلاهما حربهما الكلامية، وسقطا في حالة من الفجاجة والغوغائية والاساءة البالغة، مما جعل مقدم البرنامج ينهي الحلقة بشكل بدا مسرحياً أو تمثيلياً وكأنه استاء من طريقتهما في الحوار، مع انه قادهما تدريجياً له، رغبة في كسب اكبر عدد ممكن من المشاهدين ولو على حساب قضية مصيرية لها حساسيتها وتأثيراتها. ولا يختلف شخص عربي في الوطن العربي على عدالة المطلب العراقي فيما يتعلق بفك الحصار بعد أكثر من عشر سنوات خسر فيها الشعب العراقي كل شيء تقريباً، وتراجع للخلف سنوات وسنوات، سيدفع العراقيون ثمن استعادتها وبنائها من جديد من اعمارهم وأقواتهم ومقدرات اجيال حرمت من تجربة تحديث عربية رائعة بدأها العراق لكنه تعثر فيها للاسف حينما سقط سقطته الكبرى في حربه مع الثورة الايرانية، ثم وقع شهادة وفاته حينما ارتكب حماقة غزو الكويت عام 1990. ولا نختلف أيضاً على حق الاخوة الكويتيين في المطالبة بأسراهم سواء أكانوا (610) أسرى أو حتى واحد، فهؤلاء بشر اقتيدوا من بيوتهم على مرأى من عائلاتهم، منهم الشاعر والكاتب والطبيب والطالب ورب الاسرة والشقيق والزوج و... وسواء قتلوا أو مازالوا احياء أو انهم سجناء لدى نظام بغداد، فإن من حق الكويتيين ان يعرفوا مصيرهم، وكم كان (سيد نصار) ضيف (الاتجاه المعاكس) فجاً إلى أقصى الحدود، ومتجاوزاً لابسط المعايير الانسانية والمنطقية حينما قال موجهاً كلامه للضيف الكويتي: (ومن هم هؤلاء الاسرى الذين ملأتم الدنيا نواحاً عليهم منذ عشر سنوات هل هم علماء ذرة، ام حائزون على جوائز نوبل؟) فمتى كانت أهمية وقيمة الانسان تأتي من نوبل أو من علم الذرة يا سيد نصار؟! وبلا شك فان العراق بلد عربي وتجربة نعتز بها، وشعب نفخر بانجازاته واسهاماته في سجل الحضارة والتاريخ العربي الاسلامي والحديث، والكويت كذلك بلد عربي وتجربة ديمقراطية (حتى وان استخف بها سيد نصار وتحدث عنها بشكل لا يليق بعربي ازاء بلد عربي شقيق)، فللكويت اسَهاماته وبصماته ومواقفه التي لايمكن ان يمحوها غزو صدام ولا غزو الزمن ولا كلمات ظالمة كالتي تفوه بها ذلك الصحفي أو الكاتب المصري الذي لا يمثل إلا نفسه في كل الأحوال. ونعلم بأن هناك خطاباً في الشارع المصري والعربي بشكل عام يتبنى الموقف العراقي، ولكنه لا يصل في اصطفافه مع هذا الموقف إلى تلك الدرجة التي عبر عنها (سيد نصار)، واعتقد بأن كل المواقف العربية الشعبية التي عبرت عن تعاطفها مع العراق كانت تقف إلى جانب الشعب العراقي المحاصر والذي يعاني انواع الظلم جراء هذا الحصار الدولي عليه منذ أكثر من عشر سنوات، مع أننا لا ننكر بأن هناك تياراً ضمن صفوف المفكرين والأدباء والفنانين يتعاطف مع النظام لأسباب معروفة! كنا نتمنى على «الجزيرة» ذات التأثير الجماهيري الواسع، وذات الوزن الاعلامي كالذي تحظى به، ألا تصل في سعيها وراء الاثارة الى الغرق في اثارة الفتنة، وتبني هذا النوع من المحاورين، والحوارات التي تسيء اليها كقناة اعلامية ذات حضور وتأثير، وإلى الجمهور المتابع لها ولبرامجها، فثقافة الفتنة، وفي هذا الظرف العربي التاريخي الذي يشبه (المطب) او الانحدار نحو السطح المميت، لا ينبغي ان تجد لها ابواقاً ومنابر فعندنا منها الكثير، وبين ظهرانينا هناك من يحملها ويدور يوزعها في كل الأرجاء مجاناً، إمعاناً في اضعافنا ووصولاً إلى هلاكنا تماماً. نعم هذان الرجلان كانا يعبران عن خطاب وتوجه موجود في اوساط كثيرة في العالم العربي، لكنها الاوساط الاكثر تواضعاً في مستويات التفكير والرؤى والتطلعات والانتماء ايضا، ولذلك فإن حواراً كهذا قد يبدو مقبولاً في بيئات معدمة فكرياً وعروبياً، ولكن على شاشة قناة فضائية محترمة، يبدو منظراً نشازاً وبكل المقاييس!!