أشعر بالشفقة الشديدة على حملة اسهم شركة «انرون» الامريكية للطاقة، الذين استيقظوا فجأة من نومهم ليجدوا ان شركتهم انهارت واشهرت افلاسها بعد ان كانت قبل شهور معدودة تعد السابعة بين اضخم 500 شركة أمريكية بميزانية تصل الى 70 مليار دولار، لتهبط قيمة السهم فيها من 90 دولاراً الى دولار واحد. مبعث الشعور بالشفقة على هؤلاء المساهمين ليس حبي للاقتصاد الرأسمالي الغربي الذي اعتقد انه السبب الرئيسي في خراب بيوتنا العربية والعالمثالثية، وليس ايضاً تعاطفاً مع الاقتصاد الامريكي الذي يمول آلة الحرب الصهيونية ضد العرب في كل مكان. شعوري بالشفقة هو لسبب غريب تماماً وقد يصيب الكثيرين بالدهشة والصدمة، وهو انني تخيلت انني احد هؤلاء المساهمين او اصحاب هذه الشركة التي كانت عملاقاً عالمياً يتحكم في مصائر دول بأكملها.. وعندما انتابني هذا الشعور حمدت الله كثيراً انني فقير، ولست مساهماً في أي شركة من الشركات العملاقة او الغلبانة، كما ان كل صلتي بالأموال هي الحساب البنكي الذي يحول اليه مرتبي من الجريدة أول كل شهر، أسارع لأخذه في بداية الشهر، ويسارع البنك الى خصم المئة درهم شهرياً لأن رصيدي اقل دائماً من الخمسة آلاف درهم. وعندما أمعنت التفكير في مزايا ان تكون فقيراً وجدتها كثيرة وتستحق الحمد، لكن كثيرين منا معشر الفقراء لا يفكرون فيها بالمرة، فأن تكون فقيراً فمعنى ذلك انك لن تصاب بأي مرض خطير مفاجئ اذا هبطت قيمة اسهمك في البورصة كما حدث لعشرات الشركات والبنوك الكبرى التي شهدت انهيارات مدوية بل لدول كبرى ايضاً كالارجنتين، ولن تفكر في الانتحار كما حدث لنائب رئيس شركة انرون مؤخراً. وان تكون فقيراً فلن تكون مضطراً الى القلق على محتويات منزلك واحتمال اقتحام اللصوص له، كما لن تتعرض لحسد الخصوم واحياناً الأصدقاء، ولن تشغل بالك كثيراً في كيفية الحفاظ على ثروتك، ثم تنميتها، كما انك ستكون بمنأى عن ملاحقة مسئولي الضرائب كما يحدث لكبار فنانينا العرب دائماً، والأهم انه في ظل الهيمنة الامريكية الكونية حالياً لن تجد اسمك موجوداً في قوائم دعم الارهاب التي تخرج بها علينا واشنطن كل يوم، كما انك لن تتهم بالتورط في عمليات غسيل الاموال، لأنك لا تملك الصابون او مساحيق الغسيل ناهيك عن الملابس او الأموال نفسها! أما الأهم في ان تكون فقيراً فإنك وقتها لن تكون مضطراً للزواج بأكثر من واحدة ـ هذا اذا استطعت الزواج اساساً ـ في هذه الحالة لن تكون مضطراً لتقمص شخصية الحاج متولي، وبالتالي ستفوز برضا الزوجة والمجتمع، ولن تدخل في صراع لارضاء زوجاتك الكثر او مشاكل الطلاق والنفقة اذا حدث المكروه الحتمي في هذه الحالة. وبعيداً عما سبق وكله يدخل في خانة السخرية، فإن السطور السابقة ليست دعوة لتبني الفقر شعاراً والترويج لمزاياه، ولكنها أقرب لشعار القناعة كنز لا يفنى، فالفقر مذموم، والدين والطبيعة الانسانية يحثان على ضرورة مقاومته قدر الامكان بالعمل والتقدم، ومزايا ان تكون غنياً هي كثيرة ومرغوبة، لكن الحقيقة هي ضرورة التفكير في شعار «البساطة» مقابل الجشع والطمع، فالبساطة لا تعني الفقر بل هي أقرب الى راحة البال. ولا أعرف متى أو أين قرأت هذه الحكاية التي لا أعرف مصدرها ومفادها ان قروياً من احد بلدان العالم الثالث كان يجلس مسترخياً تحت شجرة في حقله، وفجأة وجد شخصاً اوروبياً تبدو عليه سيماء الغنى، قال الاوروبي للقروي، لماذا تجلس هكذا كسولاً ولا تفكر في عمل يدر عليك مالاً ودخلاً وفيراً؟! فرد عليه القروي: وماذا افعل بعد ذلك؟ فبادره الاوروبي قائلاً: ستعيش في بحبوحة من العيش الرغيد وتجلس هادئ البال. فضحك القروي بسخرية قائلاً: ولكنني بالفعل أجلس هادئ البال. البساطة مطلوبة والعمل مطلوب اكثر لتحقيق هذه البساطة وليس للهاث وراء المال. واخيراً اللهم أمتني فقيراً واحشرني في زمرة الفقراء. Email: emadiraqi@yahoo.com