منذ مطلع القرن الماضي حيث باكورة المشروع الصهيوني تجاه فلسطين، لم تعدم الساحة الفلسطينية وجود الأطر القيادية الجامعة، التي تملك شرعية تمثيل الشعب الفلسطيني والتحدث باسم قضيته. ومصدر الشرعية في هذا السياق كان ينطلق من أو يتأسس على تأييد أو تفويض سياسي عام، غالبا ماتم بآليات مناسبة للتعبير عن التفضيلات الشعبية طبقا للمراحل التاريخية. وعلى سبيل الحصر، توالي ظهور هذه الأطر وتوارثها لبعضها البعض بدون قطيعة سياسية تاريخية على النحو التالي: - البرلمانيون الفلسطينيون في مجلس المبعوثان «البرلمان» العثماني قبل الحرب العالمية الأولى. الجمعيات الاسلامية المسيحية «1918 - 1920» - اللجنة التنفيذية للمؤتمرات العربية الفلسطينية «1920 - 1934». الجمعيات الاسلامية المسيحية «1918 - 1920» - اللجنة التنفيذية للمؤتمرات العربية الفلسطينية «1920 - 1934». الأحزاب الفلسطينية «1934 - 1936». اللجنة العربية العليا «1936 - 1946». الهيئة العربية العليا «1946 - 1948». حكومة عموم فلسطين «1948 - 1964». - منظمة التحرير الفلسطينية «1964» وهي المرجعية العليا للسلطة الفلسطينية منذ 1994 الى الوقت الراهن. خلال هذا التواتر القيادي جرت مياه كثيرة في نهر القضية الفلسطينية، بحيث لا يمكن الزعم بأن الأطر المذكورة برزت أو أفلت بإرادة فلسطينية بحتة.لكن هذه الإرادة ظلت محددا ثابتا لبروز القيادات وأفولها بالاضافة الى المحدد العربي وبدرجة أقل العامل الدولي. ومع أن قيام اسرائيل مثل السبب الأهم في تبعثر الحقيقة الكيانية الفلسطينية بجميع مكوناتها على مدار العقود الخمسة ونيف الماضية، الا أن هذا السبب لم يكن له فاعلية تستحق الاعتبار في تبلور القيادات الفلسطينية بين عامي 1948 و1994. أي بين وقوع النكبة وقيام سلطة الحكم الذاتي في الضفة وغزة.إذ أن هذه السلطة نشأت في الأصل عن الاتفاقات التي انتجتها عملية التسوية على المسار الفلسطيني.ثم انها اكتست بالطابع الشعبي والإرادة الذاتية الفلسطينية عبر الانتخابات العامة، وفي حدود الأرض المحتلة من جهة وفي حدود الاتفاقات المذكورة ومحورها اتفاق أوسلو 1993 من جهة أخرى. المقاربة الاسرائيلية للتطور القيادي في عهد حكومة شارون ومحازبيه الآن، تقوم على تجاهل التطور القيادي الفلسطيني تاريخيا، وفي الوقت ذاته تقوم على التعلق بفكرة أن السلطة الفلسطينية بزعامة عرفات هي منتج اسرائيلي، يقوم ويقعد وفقا للإرادة الاسرائيلية المنفردة.وبالطبع، تعني هذه الفكرة بين أمور أخرى، ان اسرائيل لا تعبأ بالمظاهر الديموقراطية التي ساهمت في اضفاء الشرعية على هذه السلطة عبر الانتخابات التشريعية، والرئاسية التي جرت في يناير 1996 بصيغة أخرى، يدور التصور الاسرائيلي لحال القيادة الفلسطينية ومستقبلها في فلك رؤية مبتورة شديدة التبسيط والسطحية، تعزل واقع هذه القيادة عن مسار تاريخي ممتد، يضرب بجذوره الى ماقبل قيام الدولة اليهودية ذاتها، كما أن هذه الرؤية تعزل ارادة الشعب الفلسطيني ذاتها.وقد تذهب الى أبعد من ذلك، بأن نلاحظ كيف أن اسرائيل تجور بسلوكها على قاعدة اساسية من قواعد القانون والعدالة الدولية، وهي انها كدولة احتلال ليست جهة اختصاص في تعيين أو عزل سلطة التحكم الذاتي الفلسطيني ورئيسها.بمعنى أن مداخلتها على خط التطور القيادي الفلسطيني مجرد حدث عرضي طارئ، فيما الأصل والمشروع قانونا أن هذا التطور شأن فلسطيني أصيل مضمون بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. للتوضيح نقول: أن القيادة الفلسطينية الموجودة الآن على أرض فلسطين تكتسب شرعية وجودها من عدمه بالاستناد الى الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، المعترف بها دوليا وقانونيا على النحو المعروف.فيما وجود اسرائيل هناك بكل مظاهرة، مخالف لحقائق القانون والعدالة ولا يستند الا الى القوة العارية. رب مجادل هنا بأن مهمة هذه القيادة مرهونة بالاتفاقيات التي مهدت لقيامها، وهذا يمنح اسرائيل حق «الفيتو» باعتبار أن العقد شريعة المتعاقدين.غير أن هذا المنظور يتعارض وحقائق كثيرة.منها مثلا، أن الطرف الاسرائيلي هو الذي خالف ملف التعاقدات المبرمة «ترى لو أنه تم تطبيق قرار 242 بعيدا عن التفسير الاسرائيلي المعيب، ألم يكن المسار الفلسطيني قد اتخذ طريقا أخر؟ ومنها أن صيغة التعاقدات - أوسلو وتوابعها - كانت مجرد آلية سلمية لازاحة الاحتلال عن فلسطين، وهذا لا يمنع ضرورة هذه الازاحة بوسائل اخرى «متاحة قانونيا اذا لم تفلح هذه الصيغة.وأهم من ذلك، أن أية صيغة - حتى لو كانت تعاقدية - بين المحتل والمحتلة أرضه الواقع تحت السيطرة، لا تعد صحيحة في التحليل الأخير إذا ماتعارضت مع قاعدة ثابتة من قواعد القانون الدولي.فهذا القانون له الأولوية على ماعداه، حتى بالنسبة للقواعد التشريعية الداخلية، فكيف الحال اذا مااتصل الامر بحالة الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني وأساسها الاحتلال القائم على القوة من الأول للثاني؟! والحق أن كل مطالب اسرائيل واشتراطاتها كي ترفع يدها وتكف اذاها عن القيادة الفلسطينية مخالفة للقانون وخارج اطار المنطق والعدالة.هي تريد من ادارة عرفات مطاردة مستمرة لقوى المقاومة، بينما حق المقاومة مكفول قانونيا بحسب الشرائع السماوية والوضعية.وتريد نبذ تنظيمات فلسطينية تمثل جزءا من التركيبة والمكونات السياسية الفلسطينية، وهذا لا يجوز ديموقراطيا، وتريد أن تمضي القيادة في مسلسل التنازلات عن حقوق مقررة للشعب الفلسطيني، الذي يفترض أنها تمثله وان اسرائيل اعترفت بهذا التمثيل! وهذا يحيل هذه القيادة الى منطلق التبعية والعمالة على نحو يضعها تحت المسائلة الشعبية تاريخيا ثم ان هذه المطالب جميعها تفضي - إن تم الخضوع لها تماما - الى صدام: أهلي فلسطيني مروع، فأي غاية شريرة تحرك اسرائيل ومحاربيها الدوليين والحال كذلك؟ في الوقت الذي لا يمكن أن تدعي فيه أية دولة في هذا العالم، بما فيها الولايات المتحدة أن أمنها الداخلي والخارجي، قد تحقق أو يمكن تحقيقه مئة في المائة، فإن اسرائيل، دولة الاحتلال التي تمارس الارهاب بشكل مفضوح ومفتوح، تنشد هذا المستوى من الأمن!..والمدهش انها تبغي الوصول الى هذا الهدف عبر مشاركة السلطة الفلسطينية وقيادتها اثناء وجود حالة الاحتلال! ومؤدى ذلك ان تتمتع اسرائيل بميزة الاحتلال «اللوكس»، الأمر الذي لا سابقة له على الاطلاق. على ان الرغبة الاسرائيلية الحالية في هذا المضمار ليست متفردة فمحاولة تخليق قيادة عملية، تتخذ مطية لتمرير مأرب الاحتلال، قضية معروفة في النماذج الاستعمارية.وقد سبق ان مرت بها الحالة الفلسطينية قبل 1948 وبعده ففي أغسطس 1921 أكد وزير المستعمرات البريطاني «ونستون تشرشل» لوفد فلسطيني عن اللجنة التنفيذية «ممثل القيادة الفلسطينية وقتئذ» انه يستقبلهم «بصفتهم الشخصية فقط، لا كقياديين للشعب الفلسطيني، طالما انهم يصرون على الغاء تصريح بلفور..» فكأن الرجل علق اعترافه بأحقية تمثيل الوفد للفلسطينيين على مسايرته للسياسة الاستعمارية البريطانية! وفي عام 1948 نادى تيار سياسي اسرائيلي بتشجيع قيام حكومة فلسطينية في الجزء العربي من فلسطين «الضفة وغزة وشرقي القدس» لأن «هذه الحكومة ستكون معتمدة على اسرائيل وتحجب الاختراقات العربية بالقرب منها» وقد تزعم «موشى شاريت» وزير خارجية الدولة الوليدة هذا التيار الذي لم يقدر له الاستمرار.وفي مرحلة أقرب، تبنت السياسة الاسرائيلية فكرة القيادة البديلة لمنظمة التحرير الفلسطينية من داخل الارض المحتلة عام 1967 وفي هذا السياق ظهر في عام 1984 ماعرف بروابط القرى.غير ان المحاولة باءت أيضا بالفشل بسبب الالتفاف الشعبي حول المنظمة. لاريب أن اسرائيل تعي مصير محاولاتها ومساعيها السابقة.وهذا يثير السؤال عن العوامل التي مازالت تحثها على تطبيق الفكرة ذاتها؟ في تقديرنا أن الأمر يعود الى اخطاء السياسة الفلسطينية في التعامل بمنهجية «المرونة» بعد ابرام صيغة أوسلو.لقد نظرت اسرائيل لهذه المرونة باعتبارها تنازلات تتلوها تنازلات اخرى، وصولا الى التطويع الكامل لارادة القيادة الفلسطينية.وكان مماساعد على هذا المفهوم، ارتباط هذه القيادة بالبيئة التي نتجت عن أوسلو.. كالمساعدات الدولية «الغربية اساسا» والتحكم في حركة القيادة داخل الارض الفلسطينية، وسيطرة انصار اسرائيل في النظام الدولي، وتنحية الشرعية الدولية الفلسطينية من طريق عملية التسوية. هذا التكييف الاسرائيلي للمعطيات المحيطة بالقيادة الفلسطينية هو الذي جعل أرييل شارون وحكومته يأملون في خضوع هذه القيادة لاملاءاتهم اذ كيف يتأتى لعرفات أن يقاوم فيما ظهره الى الحائط، بل وتحيط به الدبابات الاسرائيلية من الجهات الأربع؟! مهما يكن من أمر صعود الدور الاسرائيلي في تحديد مسار التطور القيادي الفلسطيني، فإن العامل الفلسطيني الذاتي يبقى المحدد الأكثر تأثيرا في هذه الناحية.كما أن العامل العربي لم يفقد أهميته ايضا.ذلك أن نزع الشرعية العربية عن القيادة الفلسطينية يوقع الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية في ورطة حقيقية ونحسب انه لا توجد مصلحة عربية تحض على مثل هذه الخطوة الفارقة. ان وجود قيادة فلسطينية جامعة يمكن مخاطبة هذا الشعب من خلالها على جميع الصعد، يحول دون حالة قريبة من الفوضى التي سوف تنجم عن زوال مثل هذه القيادة. وقد لا يكون من المبالغة وسوء التقدير أن نذهب للقول بأن اسرائيل ونصيرها الدولي الأول، الولايات المتحدة، لا مصلحة مؤكدة لهما في التغييب الكامل لعنصر القيادة السياسية عن الحالة الفلسطينية، فهذه الحالة متغلغلة في تضاعيف البيئة الشرق أوسطية، وربما الدولية أيضا.ولن يكون من السهل تصنيف أوضاع هذه البيئة بمعزل عن مساهمة فلسطينية تضمنها قيادة مسموعة الرأي والكلمة من غالبية الشعب الفلسطيني.ولهذا فإن الاقرب للصواب انهم يبحثون عن المداخل المناسبة لتطويع القيادة الحالية واعتصارها حتى الرمق الأخير فان عدلوا عن هذا المدخل الى عملية الاستبدال الكامل لهذه القيادة، فإنهم سوف ينتظرون طويلا بلا طائل ذلك أن التربة الفلسطينية أثبتت عدم صلاحيتها لانتاج جيوب قيادية عميلة أو متواطئة بالمطلق، تحظى بالقدرة التي تؤهلها لتمرير أية مخططات مرفوضة وطنيا أو قوميا. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة