زفت واشنطن إلى العواصم الأفريقية نبأ برنامج تطويري «شامل» لدول القارة. والأسبوع الماضي برهنت الولايات المتحدة على جديتها بأن أتبعت القول بالفعل. فقد عقد مسئولون أمريكيون مع مسئولين من دول أفريقية اجتماع عمل في العاصمة الموريتانية نواكشوط لمناقشة البرنامج التطويري. لكن ما هو هذا البرنامج؟ وما هدفه؟.. نعلم ان ما بين 40 مليون شخص حول العالم يحملون فيروس الايدز، هناك 30 مليوناً في افريقيا السوداء وحدها. لكن البرنامج «التطويري» الأمريكي لا علاقة له بمكافحة وباء الايدز ولا مكافحة سوء التغذية أو المجاعات أو الفقر المدقع أو الأمية مما له اتصال غير مباشر بالانتشار الوبائي للايدز بين شعوب افريقيا. عوضاً عن ذلك، قدمت واشنطن لافريقيا برنامجاً «لمكافحة الارهاب». والاجتماع الذي عقد في نواكشوط كان من أجل بحث الجانب «التدريبي» للبرنامج. فوفقاً للبرنامج وضع المسئولون الامريكيون دورات لتدريب ضباط الأمن والاستخبارات والشرطة والقوات المسلحة عوضاً عن فتح معاهد أو كليات لتدريب أطباء ومهندسين وفنيين ومدرسين واقتصاديين. وقس على هذا المنوال مناطق أخرى في العالم الثالث. فالولايات المتحدة تقدم مساعدة الى الفلبين لا لتخليصها من عبء الديون الخارجية التي تلتهم دخلها من الصادرات فتورث طبقاتها الشعبية فقراً على فقر ولا مكافحة تفشي إدمان المخدرات بين الشباب الفلبينيين ولا لاقامة مشاريع انتاجية تفرز فرص عمل متجددة من أجل تخفيف هجرة العمالة الفلبينية إلى الخارج. المساعدة الأمريكية التي رأت واشنطن انها ذات أولوية على غيرها هي المشاركة العسكرية الامريكية في حملة فلبينية داخلية «للقضاء على الارهاب». وقبل وصول «القوات الخاصة» الأمريكية الى الأراضي الفلبينية أعلنت واشنطن انها على استعداد لمساعدة دول آسيا الوسطى. ومن المعلوم ان شعوب هذه الدول تواجه معضلتين: فقر مدقع وأنظمة حكم استبدادية. غير ان المساعدة الأمريكية المقترحة هي ـ كما في الحالة الفلبينية ـ مشاركة هذه الأنظمة الاستبدادية نفسها في قمع الحركات والمنظمات الاسلامية التي تعارضها. هذه الأمثلة تلخص لنا رؤية الولايات المتحدة للعالم. وهي بإيجاز رؤية أمنية تنطلق من أجندة ذاتية. وهذا مما لا يليق بدولة عظمى لها ما لها من الثراء والنفوذ. وإذا كان هناك بعض المحللين قد تفاءلوا بأن قيادة هذه الدولة العظمى سوف تستخلص من أحداث سبتمبر درساً يجعلها تراجع نفسها لاستنباط رؤية جديدة إلى العالم فإن الخطاب السنوي للرئيس الأمريكي الأسبوع الماضي نسف أي أمل في بروز أمريكا جديدة. عوضاً عن اعلان حرب على العالم واختلاق توترات وأزمات لتبرير هذه الحرب باسم مكافحة الارهاب كان الأجدر بالرئيس الأمريكي ان يعلن شن حرب من نوع آخر على تجارة المخدرات وتجارة الجنس العالميتين وتدشين برنامج عملاق لمحاربة الفقر عالمياً عن طريق دعم البنك الدولي وتوسيع نشاطه. ولنتساءل: ألا يعيش البشر الآن عصرا من الخزي والعار ترصد فيه دولة عظمى مئات المليارات من الدولارات سنويا للميزانية العسكرية، بينما مئات الملايين في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا لا يجدون حتى ماء الشرب النقي؟ وماذا تتوقع الولايات المتحدة من شعوب هذه القارات سوى الثورة على الظلم التي تعتبرها واشنطن ممارسة ارهابية؟ إن شعب الولايات المتحدة لن يعيش آمناً طالما ظل قادته يتجاهلون جذور الارهاب وأسبابه مع مواصلة استفزاز شعوب أخرى. أحمد عمرابي