«التقليد»إ: ذا لم يكن للأمم آثار مادية باقية تدل على تاريخها فلا أقل من ان تصنع لها اثاراً فكرية تبقى على مر التاريخ وتذكر بها كلما مر على الخواطر اسمها. والعجيب العجيب ان يكون للأمم أموال وثروات تبددها على ما لا طائل من ورائه مما يموت قبل ولادته ومما يدخل في أبواب الزائف وغير الخالد من الأعمال الفكرية التي هي في الحقيقة ليست الا افرازات التغريب والتقليد الأعمى المبهور بصرعات الأمم الغالبة. من ذلك هذه المطبوعات الكثيرة التي تصدر في طول العالم العربي وعرضه من مجلات اسبوعية وشهرية وهي ليستْ الا الكلام الفارغ والصورة الملونة لفتيات الاعلان واخبار المجتمعات الشّوْهاء التي خلعت عنها رداء الأصالة والحضارة العربية الاسلامية وتلبست نساء ورجالاً بالمجتمعات الغربية حتى تكاد لا تصدق انها مجتمعات عربية مسلمة لم يمض على خلعها رداء العروبة والاسلام الا عقود من الزمان، وحتما هذا ليس بالكلام الذي يراد به التعميم ولكنه كلام يراد به الكلام على الغالب خاصة في تلك الدول التي ضحت مجتمعاتها بالملايين من الشهداء في سبيل اخراج المستعمر الغربي من اراضيها ثم لما خرج منها ذهبت تقتفي آثاره ممعنة في تقليده حتى في تخليه عن دينه وعقيدته المنحرفة. ومن بين ذلك التقليد الأعمى التقليد الأخطر والأهم وهو التقليد الثقافي وليته كان تقليد الباحث عن الثمين في ثقافة الغرب ليقلدها، بل انه كان تقليد الأعمى الباحث عن افرازات الثقافة الغربية ومجتمعاتها وانحرافاتها وصرعاتها التي كانت تجمع في شكل مجلات فنية ملونة مليئة بالصور الفاضحة والاخبار التافهة للراقصين والراقصات واشباههم. فكانت لنا كما للغرب مجلاتنا التافهة التي لا تكاد تحصيها سعيا وراء التقليد ووراء الكسب المادي الذي يشبه الاستغلال اعني استغلال الغرائز المكبوتة باستثارتها بصور العاريات من الفنانات واخبارهن. «الغابة» وفي حمى اصدار المجلات المسماة بالفنية التي شكلت غابة من الورق الملون تحجب أبصار الشباب عن الجمال الحقيقي الخالد الباقي المتمثل في الثقافة الحقيقية وفي غابة الورق الملون المملوء بالوجوه المصبوغة والاجساد الكاسية العارية ضاعت تلك المجلات الهادفة التي ظهرت في الوطن العربي بدءاً بمجلة «الرسالة» و«المقتطف» و«المختار» وسواها من المجلات التي طواها النسيان ووصولاً الى المجلة الباقية على عهدها وعهدنا بها مجلة «العربي» الكويتية تلك التي بقيت صامدة في وجه كل ذلك التغريب محتفظة بصورتها الرصينة والجميلة الملونة في ذات الوقت ولكنها ألوان جميلة هي ألوان الطبيعة الساحرة غير المزيفة، ألوان الصورة التي لا تريد ان تستخف بعقول الشباب ولا ان تسلبهم اخلاقهم وعقولهم. «أربعون سنة» ان اعمار الامم لا تقاس فحسب بعمر بقائها السياسي فذلك عمر لا محالة زائل ذاهب ولكن العمر الممتد الباقي رغم زوال كل كيان مادي للأمم هو عمرها الفكري الذي ببقائه تبقى تلك الامم والدول في ذاكرة الاجيال المتعاقبة فليس اكثر بقاء من تلك الدول التي ما زالت حاضرة في الذاكرة رغم زوال كيانها السياسي وذلك ببقاء نتاجها الفكري علمياً كان ام ادبياً وان شئت ان تعدد تلك الأمم عجزت وحسبك ان تذكر من ذلك حضارة الاغريق بفلسفتها واسماء مفكريها الخالدين من امثال أرسطو وافلاطون، وحسبك من الرومان ان تذكر عماراتهم الخالدة ومدنهم ومسارحهم الرومانية الباقية على مر التاريخ، وحسبك من الفراعنة ما خلفوه من اثار مبنية ومكتوبة على اهراماتهم، وحسبك من دول الاسلام انك لا تذكر شاعراً أو عالماً او فقيهاً او أديباً الا وقلت كان عباسياً أو أموياً. ويبدو ان الكويت تلك الدولة الخليجية الصغيرة في حجمها تنبهت الى شيء من ذلك الخلود التي حرصت ان يكون لها منه نصيب وقد أدركت ذلك باكراً فأصدرت مجلتها «العربي» منذ أربعين سنة في سنة 1958 للميلاد، فكانت «العربي» هوية الكويت التي ربطتها بمجرد اسمها بالعرب من الخليج الى المحيط، ولم تكتف الكويت بذلك الاسم بل جعلتها مجلة للعرب جميعاً تمثلهم وتمثل ثقافتهم وفكرهم وسواء اختلفنا على ما تتضمنه «العربي» من آراء واطروحات وفكر ثقافي او اتفقنا عليه فإنها في جميع حالاتها تطرح ما يموء به العالم العربي من فكر وثقافة. «الجائزة» لقد تعاقب على رئاسة تحرير العربي أساتذة ورواد أجلاء في الفكر العربي كل له دوره وريادته الخاصة التي لا تنكر بداية من الدكتور المؤسس اول رئيس لـ «العربي» احمد زكي ومروراً بالاستاذ احمد بهاء الدين والدكتور محمد الرميحي وانتهاء بالدكتور سليمان العسكري رئيس تحريرها الحالي الذي يعمل على زيادة فتح آفاق «العربي» والانتقال بها نقلة نوعية ملحوظة. ولهذا التعاقب النوعي على رئاسة تحريرها كان لـ «العربي» تراكم غني من التجارب الرائدة التي رسختها في قرارة النفس العربية حتى استحقت عن جدارة جائزة شاعر الامارات المرحوم سلطان بن علي العويس للابداع تلك الجائزة التي لها وجهان ناصعان: الأول هو تتويج هذه المطبوعة الرائدة تتويجاً يليق برسالتها الخالدة. والثاني مواكبة الحدث الهام في عمر الكويت باعتبارها عاصمة الثقافة العربية لسنة 2001 مما يؤكد ان «العربي» والكويت وجهان لعملة واحدة لا تذكر احداهما دون الاخرى. وآخر ما يمكن قوله ان تكريم مجلة «العربي» يأتي ليقول للمجلات الذاهبة أدراج الرياح اذهبي حيث شئت وافعلي وتلوني كيف شئت فلا مكان للزيف في ذاكرة التاريخ.