قطع «مسار برشلونة» حتى الآن نصف المسافة الزمنية بين انطلاقته الأولى عام 1995، وبلوغ هدفه الرئيسي المعلن في اقامة منطقة واسعة للتجارة الحرة، تشمل دول الاتحاد الاوروبي الخمس عشرة من جهة، والدول المتوسطية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا (باستثناء ليبيا) التي شاركت في مؤتمر برشلونة من جهة اخرى، في موعد أقصاه عام 2010. ومع ان عدد الدول التي وقعت اتفاقات خاصة بهذه الشراكة بلغ حتى الآن سبع دول عربية، كان آخرها لبنان، وقبله كل من الجزائر ومصر والمغرب وتونس والاردن والسلطة الوطنية الفلسطينية، الا ان كثيرا من التململ وعدم الرضا يمكن ملاحظته لدى الطرفين، كل لأسبابه الخاصة، وإن لم تكن الدول المتوسطية هي الأكثر تذمراً بسبب ما تصفه بعدم تحقيق الفائدة المتوقعة من الشراكة ـ حتى الآن على الأقل ـ نظرا لانعدام التوازن بين طرفي المعادلة. ويرى الخبراء الاقتصاديون ان مشاكل كبيرة ستواجه منطقة التجارة الحرة في المدى المنظور، والى ان يتم احداث تغييرات شاملة وجذرية داخل اقتصادات دول المنطقة بما يحقق الملاءمة الهيكلية المرتجاة. وينصح هؤلاء بأن يتنبه الاتحاد الاوروبي الى ضرورة توظيف اعتماداته واستثماراته في المجالات ذات الاهتمام المشترك والفعالية القصوى مع الأخذ بعين الاعتبار الاوضاع السياسية والجغرافية والاقتصادية والاجتماعية والانمائية السائدة في كل دولة من الدول الشريكة. وفي حين يقر الخبراء بأن تحقيق الاندماج بين شمال البحر الابيض المتوسط وجنوبه هدف مهم جدا، لكنهم يرون في الوقت ذاته ان دون ذلك الكثير من العقبات التي ينبغي تذليلها بصورة تدريجية ومن دون تعريض الأوضاع الداخلية في دول الجنوب لاجراءات وتجارب قاسية قد تنشأ عنها مشاكل داخلية غير محسو بة.إن اطالة المفاوضات بين الاتحاد الاوروبي والدول العربية المعنية تعكس حجم المخاوف الاخيرة من الدخول في هذه التجربة التي تفرض عليها خوض عملية تنافس مفتوحة من دون ان تتوفر لها الضمانات الاقتصادية الكافية. ولذلك فإن كلا من الدول التي أبرمت اتفاقات مع الاتحاد الاوروبي طلبت ان يتم تنفيذ اجراءات الاندماج في صورة متدرجة وضمن مهل زمنية طويلة، حتى تستطيع اعادة هيكلة اقتصاداتها وتحديث وسائل انتاجها لاستيعاب المتغيرات الجديدة.وعلى الرغم من ان الشراكة الاوروبية ـ المتوسطية ذات طبيعة وأهداف اقتصادية، الا انه يمكن رصد تأثيراتها السياسية من خلال الارتباط «المصيري» الذي يفترض تحقيقه بين الاقتصاد الاوروبي واقتصادات الدول الشريكة، بما يؤشر لقيام تكتل اقتصادي كبير يمتد على رقعة جغرافية واسعة ويشمل ما يناهز المليار نسمة. وتكتسب هذه الشراكة أهمية متزايدة بفضل خطوات الانفتاح والتوسيع التي ينفذها الاتحاد الاوروبي في اتجاهات مختلفة، والتي سيتحقق ابرزها في أعقاب ضم اثنى عشرة دولة من اوروبا الشرقية الى الاتحاد بعد عام 2004، بحيث يصبح عدد الدول المنضوية تحت لواء الاتحاد الاوروبي 27 دولة. وفي المقابل، فإن انضمام مجلس التعاون الخليجي الى الشراكة في مرحلة لاحقة، حيث تتواصل المفاوضات بين الطرفين لتذليل بعض العقبات التي تؤخر ابرام اتفاقهما، يضيف قوة اقتصادية ذات شأن الى هذه المجموعة، ما يضاعف قدرتها على المواجهة والمنافسة وسط انفتاح عالمي كامل يفرضه عصر العولمة.بيد ان الاختبار السياسي المباشر الذي واجهته هذه الشراكة منذ البداية تمثل بمحاولة الاتحاد الاوروبي احداث تأثير ايجابي في الصراع العربي ـ الاسرائيلي، الذي مازال يحول دون تحويل البحر الابيض المتوسط الى بحيرة سلام. لكن الاتحاد فشل حتى الآن في تحقيق هدفه، برغم حضوره الاقتصادي القوي في المنطقة والدعم الاقتصادي والسياسي الكبير الذي قدمه الى الشعب الفلسطيني والى مختلف القوى العاملة من اجل تحقيق التسوية السلمية. ومن الواضح ان هذا الفشل كشف عن نقاط ضعيف في بنية الشراكة قد يؤثر على فعاليتها مستقبلا. ومن نقاط الضعف هذه: ـ أولا: ان ثمة تناقضاً بين دعوات الاتحاد الأوروبي للرفع من شأن حقوق الانسان والقيم الانسانية في الدول الشريكة، واستمرار معاملته التفضيلية لاسرائيل على الرغم من كل ما ترتكبه من جرائم بحق الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية. وفي حين تواصل اسرائيل تدمير العديد من المنشآت الرئيسية وقواعد البنى التحتية التي أقيمت بفضل المساعدات الاقتصادية الاوروبية للفلسطينيين، يظهر الاتحاد الاوروبي تساهلا ملحوظا مع الاسرائيليين بالنسبة لانتهاك قواعد المنشأ الخاصة بمنتجات المستوطنات الاسرائيلية (في الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان المحتل) المصدرة الى أسواق دول الاتحاد على أساس انها منتجات اسرائيلية. وبذلك يستفيد الاسرائيليون من الاعفاءات الضريبية الاوروبية، في حين يمنعون المزارعين الفلسطينيين من تصدير منتجاتهم الى الدول الاوروبية مباشرة. ومع ذلك فإن اسرائيل التي ترفض المساعي الاوروبية لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، لاسيما حقه في تقرير مصيره، لا تكتفي بالمعاملة التفضيلية المطبقة حاليا بالنسبة لها، بل ترغب في معاملتها على انها دولة اوروبية عادية، لتستفيد الى أقصى حد ممكن من العلاقات التجارية المتبادلة ومن الاسواق الاوروبية الواسعة. ـ ثانيا: ان الفشل المتكرر الذي واجهته محاولات الاتحاد الاوروبي للعب دور سياسي رئيسي ومؤثر لاحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط، أضعف موقفه في صورة عامة، لاسيما ازاء النفوذ المتزايد للولايات المتحدة التي تصر على الانفراد في الامساك بجميع الخيوط السياسية في المنطقة. ومع ان دول المنطقة تجد مصلحتها الاقتصادية في الشراكة مع اوروبا لتستفيد من المساعدات والاستثمارات الاوروبية، الا انها تظل تحسب حسابات الولايات المتحدة وتتخوف من ضغوطها التي تبرز في مجالات مختلفة. ـ ثالثا: على الرغم من أحداث 11 سبتمبر الماضي تشكل حالة جديدة ولا علاقة لها بالحركة الاوروبية وامتداداتها الاقتصادية، الا ان مضاعفاتها تركت تأثيرات واضحة على العلاقات الاوروبية ـ المتوسطية، خصوصا فيما يتعلق بموضوع الارهاب والشروط الجديدة التي أصبحت تُقحم على الاتفاقات الموقعة. وعلى سبيل المثال فقد تضمن مشروع اتفاق الشراكة الذي عرض على لبنان بندا اضافيا، اعتبر بمثابة شرط يختص بمكافحة الارهاب، وذلك بناء على طلب بريطانيا، الأمر الذي كاد يؤدي الى نسف الاتفاق بكامله لولا المساعي التي بذلتها الحكومة الفرنسية لتجاوز المشكلة. واذا كانت قضية الهجرة المتوسطية الى اوروبا شكلت في الماضي محورا مهما من محاور التناقض بين الطرفين، لكنها غدت بعد 11 سبتمبر الماضي قضية مركزية بسبب اعتبارها والارهاب، من قبل بعض الدول الاوروبية، أمرا واحدا، أو أمرين متداخلين. ويمكن القول ان الضغوط الامريكية لعبت دورا أساسيا في هذا التوجه الجديد. ـ رابعاً: يشكو الاتحاد الاوروبي من ان نقص التبادل التجاري والاستثمارات بين الدول المتوسطية نفسها، هو أكثر العقبات اثارة للقلق. وأوضح مسئول أوروبي ان «المستثمرين يرون المنطقة مقسمة الى أسواق صغيرة منفصلة لا تربطها معايير أو أعراف موحدة». وذكر المسئول ان عدة دول من اوروبا الشرقية، المرشحة للانضمام الى الاتحاد الاوروبي استطاعت اجتذاب كميات ضخمة من الاستثمارات «لأنها تكاملت فيما بينها وارتبطت بالسوق الموحدة».وكانت المفوضية الاوروبية حذرت الدول المتوسطية من تراجع حاد في الاستثمارات الاوروبية المباشرة، وذلك بسبب ما تصفه (المفوضية) بعدم قدرة هذه الدول على اجتذاب المستثمرين في ظل العقبات التشريعية والادارية القائمة، وتأخذ المفوضية على معظم الدول المتوسطية ان الاصلاحات الادارية والتشريعية التي نفذتها، منذ انطلاق عملية برشلونة عام 1995، غير كافية لتشجيع تدفق الاستثمارات التي تقدر بنحو 15 مليار دولار. ـ خامسا: في المقابل، تشكو معظم الدول المتوسطية الشريكة من العقبات التي تقول ان الاتحاد الاوروبي يضعها أمام منتجاتها، ما أدى الى وقوع خلل كبير في العلاقة التبادلية بين الطرفين. ففي حين زادت الصادرات الاوروبية الى الدول العربية بنسبة 41%، حدث تراجع حاد في الصادرات العربية الى أسواق اوروبا، الأمر الذي انعكس على الميزان التجاري بين الطرفين، حيث انقلب فائض 41 مليار دولار لمصلحة الدول العربية عام 1980 الى عجز تجاوز 25 مليار دولار حاليا. كذلك تشكو الدول الموقعة على اتفاقات سابقة من انها لم تحصل على ما كانت تتوقعه من المساعدات المادية الاوروبية، في اطار برنامج «ميدا 1». وتشير الارقام التي تملكها هذه الدول الى ان ما انفق من أموال البرنامج المذكور لا يزيد على 26%، وذلك بسبب الاجراءات البيروقراطية المعقدة التي تواجه عمليات الانفاق. وأياً يكن الوضع بالنسبة لمستقبل الشراكة الاوروبية ـ المتوسطية، فإن الخبراء الاقتصاديين يرون انه لا غنى للدول العربية عن تحقيق التكامل الاقتصادي فيما بينها، لأن ذلك سيعزز موقعها الاقتصادي في التكتلات العالمية الجديدة، بدلا من استفراد كل واحدة منها على حدة وفرض شروط غير مناسبة عليها. ـ كاتب لبناني مقيم في باريس