جوهر الدعوات التي تطالب ـ الآن ـ بإعادة النظر في كثير من منابع وقيم ومكوّنات العقل العربي تصب ـ بغير شك ـ في غير صالحنا نحن العرب والمسلمين، فهذه الدعوات التي تطلقها قوى مُعادية لنا تستهدف تطويع العقل العربي المسلم وتدجين الضمير العربي المسلم بما يفقدنا عناصر مقاومة أطماع هذه القوى وفي مقدمتها إسرائيل والصهيونية العالمية. لقد استطاع اليهود منذ زمن طويل النفاذ إلى قلب المسيحية وتطويعه، وها هم يُحاولون مجدداً أن يفعلوا ذلك مع الإسلام والمسلمين. فعبر مراحل طويلة من الصراع مع المسيحية استطاع اليهود تهويد العقل والضمير المسيحي عبر دسّ النصوص والتعاليم، وعبر ما عُرف بحركات الأحياء المسيحية التي اعتبرت العهد القديم جزءاً من التديّن المسيحي، ثم إثقال الضمير المسيحي بقصص الإبادة وتضخيم أسطورة «المحرقة» كنوع من الامتداد لعذابات اليهود على أيدي المسيحيين. وقد نجح اليهود في مسعاهم الأخير من خلال تشويه تلك القيمة التي يعتقد المسيحيون أن المسيح عليه السلام نزل بها ومن أجلها. ومن هذه القيمة التي تعتبر جوهر الخلاص المسيحي وجوهر القوة الروحية في المسيحية، استطاع اليهود النفاذ إلى الضمير المسيحي العام وغرسوا فيه عقدة الذنب وتوارثه لأنهم ـ أي المسيحيين الغربيين ـ لم ينقذوهم من يد النازي الذي كان مسيحياً بدوره، فحملوا جميعاً هذا الوزر، وشاركوا جميعاً في هذه الخطيئة التي تعود بهم إلى خطيئة البشرية الأولى. هذا الاختراق كان محور الابتزاز الذي لا يزال مستمراً من جانب اليهود ضد المسيحية ومن خلاله اغتصبوا فلسطين بمساعدتهم، بل وحصلوا على صك البراءة من دم المسيح عبر مرسوم كنسي صدر من الفاتيكان فبرأوا أنفسهم وأعادوا إثقال الضمير المسيحي. اليوم وفي إطار الهجمة اليهودية المستمرة ضد الإسلام يُحاول اليهود ومعهم اليمين المسيحي المتصهين اختراق العقل والضمير المسلم، ولكن ليس عن طريق نفس المنهج الذي اتبع مع المسيحية، فالإسلام لا يعترف بتوريث الذنب (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، (كل نفس بما كسبت رهينة) هكذا علّمنا القرآن الكريم، ولهذا فإن مدخل اليهود ومن معهم تجاه الإسلام مدخل مختلف لكنه ينال من الإسلام في ذروة سنامه وهو الجهاد الذي يعتبرونه الخطر الأكبر عليهم، ومصدر قوة المسلمين في مواجهتهم على أرض فلسطين. وتجرى عمليات الاختراق هذه عبر خطين مترابطين: ـ الأول: وصم كل المجاهدين المسلمين بالإرهاب، فكل من يُقاوم إسرائيل يعتبر إرهابياً. وقد نجحت في ذلك ـ عالمياً ـ مستغلة ما جرى في 11 سبتمبر الماضي. ومستعينة بقوة البطش الأمريكية العمياء المتعطشة للثأر، ولذا فليس غريباً أن يصف الرئيس دبليو بوش حركات المقاومة الإسلامية (حماس والجهاد ـ وحزب الله) بالإرهاب. ـ والثاني: ابتزاز العرب والمسلمين عبر إطلاق حملة غربية ضد الدول العربية والإسلامية لإجبارها على تغيير المناهج الدراسية الدينية، وليس خافياً دور الأصابع اليهودية والمسيحية المتصهينة في هذه الحملة. ولعل ما شجع على هذه الدعوة ما سبق أن لقيته إسرائيل والقوى الصهيونية من استجابة دول عربية لمطالب مشابهة كشرط من شروط إتمام الصلح، حيث تم تغيير خرائط المنطقة ووضعت بها إسرائيل. كما تم تخفيف المناهج الدينية باستبعاد السور والآيات والأحاديث التي تتحدث عن مكر وخداع اليهود وتحض على قتالهم. وساعدهم أيضاً على ذلك إسقاط مشروعية الكفاح المسلح لتحرير الأرض من مواثيق المنظمات التي ركبت موجة السلام، فسوابق التنازلات كثيرة عربياً. ويسعى الصهاينة من وراء هذا المخطط ـ في الوقت الحالي على الأقل ـ إلى خلق جو ضاغط وقاهر ضد العرب والمسلمين يجعل من «الجهاد» كلمة «مذمومة» و«كريهة» يعجز المسلمون عن التلفظ بها ولو سراً، سواء داخل العالم العربي والإسلامي أو خارجه، ومن ثم يتحوّل العرب والمسلمون من خط الهجوم والتمسك بالمقاومة إلى خط الدفاع والتراجع أمام المشروع الصهيوني إلى حد الانكفاء. وهذا ما نشهد بوادره وبداياته منذ الانتصار الأمريكي المنقوص في أفغانستان. ندعو الله ألا ينجح الصهاينة في مسعاهم، وندعو شعوبنا قبل حكوماتنا إلى إسقاط مصطلح «الإرهاب» من قاموس الإعلام العربي كلية، ورفع مصطلح «الجهاد» عالياً دون خجل والتمسك به بكل ما أوتينا من قوة وإرادة، وأن تكون ثقتنا بالله وبأنفسنا أكثر من ثقتنا بموائد القمار السياسية، أقصد موائد المفاوضات، وأن يكون تمسكنا بحقوقنا أعلى وأقوى من تمسكنا بمصطلحات تافهة مثل «ثقافة السلام» و«التطبيع» وأن تكون القدس أغلى علينا من واشنطن فعلاً وليس قولاً. عندئذ نستطيع إفساد المخططات الصهيونية لنحافظ على عقولنا سليمة وضمائرنا حية غير ملوثة بدم الشعب الفلسطيني والقدس.