بالتأكيد لن يتاح لي أن أقرأ كل هذه الكتب!أ قف صباح الجمعة الذي أخصصه لترتيب المكتبة، لنفض الغبار عن الأرفف، عن الكتب المتراصة، المتجاورة، لا أطمئن إلى قيام أحد بذلك، لابد أن أدبر الأمر، خلال تلك العملية التي تستغرق من ساعتين إلى ثلاث، أو أتعرف من جديد، على كتبي، أعيد صف بعضها بحيث تصبح أكثر تجانسا مما يسهل عليّ اكتشافها، إذ احتفظ بالعناوين في ذاكرتي، ولأن الذاكرة أصبحت مثقلة، مجهدة فلم يعد في خلاياها مكان لجديد، بل انها تطرد بعض محتوياتها، فإنني بالتالي أنسى مكان عناوين معينة، خاصة تلك التي تتخذ مكانها في الصفوف الثانية الداخلية والتي تسترها الصفوف الأولى، أحيانا يصبح شراء الكتاب مرة أخرى أسهل من العثور عليه، لماذا إذن أحضر يوميا المزيد من الكتب؟ لماذا لا يضعف فهمي ولا يهن؟ تواق دائما إلى اقتناء الجديد الذي يهمني وما أكثره، أشتريه ولا يعنيني هذا السؤال: متى سأقرأ هذا كله؟ المهم أن يكون الكتاب على مقربة مني، في متناول يدي، لا أضطر إلى استعارته من آخر، أو البحث عنه فلا أجده، أمران لا يمكن للإنسان تأجيلهما، ولا يهدأ إلا إذا عثر عليهما، الكتب والدواء، بعض تلك الكتب التي أطالعها أمامي وأترفق بها عند حملها، أقرب إليّ من بشر عرفتهم، بل أن الكتب تحوي رموز البشر، أو بشرا حقيقيين جسدهم الأدب أو الفن. الآن عندما أتذكر (راسكولينكوف) من الجريمة والعقاب لدستويفسكي، أو (الكابتن أهاب) من بوبي ديك، أو السيد (ك) من القضية، أو بيرانجية من مسرحية قاتل بلا أجر، أو (كمال عبد الجواد) من الثلاثية، فأكاد أراهم أمامي، يفوق حضورهم بالذاكرة حضور بعض الذين عرفتهم وصاحبتهم وكانوا يضحكون ويتألمون، ويتحركون على مرأى ومسمع مني، ثم مضوا بدون أن يخلفوا عندي أثرا في ذاكرتي، تطل عيون الاشخاص الذين رسموا على اقنعة الغيوم الجنائزية منذ أكثر من الفي عام، فأجد من الصلة الوثيقة بيني وبينهم ما يفوق صلات قامت بيني وبين أشخاص عرفتهم يوما، رغم أن شخوص الأقنعة لا أسماء لهم عندي فهم من هذه الناحية مجهولون، رحلوا منذ قرون وانضموا إلى القوافل التي تمضي إلى أبد الأبد، نفس الأمر بالنسبة لوجوه عرفتها من لوحات رسمت على مدى القرون الماضية بدءا من العصر المصري القديم إلى الفن الحديث، تربطني صلة بتلك الوجوه التي تحدق من صوبي عبر صمت كثيف يمتد إلى أزمنة سحيقة غير أن العيون تضج بالمعاني، كذلك المعاني غير المدركة من الملامح، تمنحني هذه الوجوه المرسومة صلات وحقائق أعمق بكثير من تلك التي عرفتها من أشخاص أحياء مررت بهم أو مروا بي. كل كتاب حياة متكاملة، لذلك فإنني أفهم جيدا عبارات الجاحظ الصادمة في كتابه «الحيوان» عندما تحدث عن كتبه وعلاقته بها، وكيف أن كتبه أعز عليه من الولد، وقد اتسقت نهايته مع حبه للكتب وانفراده بها وامتزاجها به، لقد سقطت المجلدات فوقه أثناء نومه لتدفنه إلى الأبد، فما أحلاها من نهاية بالنسبة إليه لو أتيح له الوعي بها، لقد عاش يؤلف الكتب ويعشقها ومات بها! لكنني أعود لأسأل نفسي: هل سيتاح لي قراءة هذا كله؟ لماذا أقف أمام بعض المؤلفات التي قرأتها مودعا، أعرف جيدا أنني لن أطالعها مرة أخرى، فالوقت المتاح الآن أقل من ذلك الوقت الذي كان يبدو متاحا لي زمن الصبا، بعض الكتب اعتدت أن أقرأها مرة كل عام، منذ سنوات طويلة أحرص على ذلك، منها روايات ارتبطت بها وأحببت شخصياتها وعوالمها، مثل جسر على نهر درينا، للأديب اليوغسلافي أيفو أندريتش، منذ أن تعرفت على هذه الرواية التي ترجمها الدكتور سامي الدروبي في مطلع الستينيات، وأنا أستعيدها في كل سنة مرة، رواية رائعة أثرت فيّ كثيراً، كذلك مؤلفات دستويفسكي وأخص منها (ذكريات في منزل الموتى) والذي يضم ذكرياته في سيبيريا خلال سنوات سجنه العشر. والجريمة والعقاب و(الاخوة كرامازوف) و(الأبلة) و(مذلون مهانون) و(نيتونسكا) أول رواية قرأتها له، انه سيد الرواية بلا منازع، أما (دون كيشوت) لسيرفانتس ضمن الأعمال التي كشفت عن آفاق النفس البشرية وأصبحت نموذجا، كذلك (صحراء التتار) للأديب الإيطالي العظيم (دينو بوتزاتي) والتي اكتشفتها بالصدفة عندما صدرت في سلسلة روايات شعبية كانت تصدرها مؤسسة «الأهرام» في الستينيات، معظمها روايات بوليسية ترجمها موسى بدري، لماذا أصدرها في هذه السلسلة؟ لا أدري، لكنها من الروايات التي أقرأها بانتظام، كذلك (البحث عن السلام الضائع) لمارسيل بروست، و(أرض البشر) لانطوان دي سانت اكسوبيري، وأعمال يوجين بونكر المسرحية، والصخب والعنف لوليام فولكنر، والأعمال الروائية لفرانز كافكا، خاصة (القضية) و(القصر) ومن أدبنا العربي، الف ليلة وليلة، وثلاثية محفوظ، وأعمال يحيى حقي، هذا عن الروايات، أما المؤلفات التي أقرأ فيها باستمرار، فأولها (بدائع الزهور في وقائع العصور) للمؤرخ المصري محمد أحمد ابن إياس الحنفي، والذي أعايشه ومازلت أؤدى واجبا تجاهه، سواء بالتعريف به أو إعادة تقديمه كما فعلت عندما كنت مشرفا على سلسلة (الذخائر) التي اقترحت فكرتها على طيب الذكر حسين مهران، الرئيس الأسبق لهيئة قصور الثقافة وتقوم على إعادة إصدار كتب التراث الأساسية، أول ما حرصت عليه تقديم طبعة مصورة من تحقيق الدكتور محمد مصطفى لبدائع الزهور، ليس المتن الرئيسي فقط، بمجلداته الستة، إنما بالفهارس التي قام المحقق الراحل بإعدادها في ستة مجلدات توازي حجم الكتاب وتتجاوزه، إذ أعاد تفكيك الكتاب وتصنيفه، وكانت الفهارس قد طبعت في ألمانيا بكميات محدودة وكان المتخصصون يبحثون عنها فلا يعثرون عليها، كان الإقدام على طبع ستة مجلدات من الفهارس في سلسلة شعبية مغامرة، لكن شعوري بالواجب تجاه ابن إياس الذي أدين له ليس بمعرفة أحوال مصر في القرن السادس عشر الميلادي فحسب، إنما باكتشاف أساليب جديدة للسرد غير مألوفة، إضافة إلى استلهامي شخصية الزيني بركات من الكتاب، لقد نفدت النسخ المطبوعة من تلك الطبعة، المتن والفهارس، لا يقتصر حبي للكتاب على استعادته بالقراءة، إنما بخدمته تعريفا ونشرا إذا أمكن، وهذا بعض من واجبي تجاه نصوص رحل أصحابها منذ قرون عدة، وما عادوا قادرين على خدمة ما خلفوه من آثار، وإضافة إلى ذلك فإنني تعلمت من تلك المؤلفات ما لم أتعلمه على أيدي البشر، من تلك المؤلفات القديمة (خطط المقريزي) والذي خصصه المؤرخ الشهير للحديث عن أحياء القاهرة، حواريها ودروبها وعمائرها وبشرها، وهذا كتاب فريد لم يكتشف بعد في تقديري، وحتى الآن لا توجد نسخة محققة منه، ثم تأتي مؤلفات الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، وفي مقدمتها موسوعته التي أشبهها بالمجرة، أعني (الفتوحات المكية) والتي أبحر فيها باستمرار. الكتب التي أضعها في متناولي، إلى جواري في المكتبة، أعتني بها ويمكنني أن أقرأ فيها في أي وقت، القرآن الكريم ولدي منه عدة طبعات نادرة، ومصحف مخطوط جميل يعود إلى ستة قرون خلت، و(الفتوحات المكية) و(ألف ليلة وليلة) و(خطط المقريزي) و(بدائع الزهور) لابن إياس، أما الشعر العربي القديم فيصحبني باستمرار، افتتح به قعدتي أو جلستي، وعند بداية كل عام، أقول لنفسي: سأخصص هذا العام لمصاحبة المتنبي، أو الشعر الجاهلي، أو الاندلسي، العام الحالي أخصصه لأبي العلاء المعري، أقرأ شعره ونثره، أستعيد ما طالعته، وأتم ما لم أقرأه بعد، تلك المؤلفات تطالعني باستمرار، أصحبها وتعجبني، وإذا ما سافرت فلابد أن تضم حقيبة يدي، القرآن الكريم، وديوان الحماسة لأبي تمام، ونسخة كاملة من الف ليلة وليلة في طبعة جيب صدرت في الجزائر منذ عدة سنوات، إضافة إلى كتاب طارئ، دائما أخشى خلال سفري أن أفرغ من قراءة ما أصحبه، وأجد نفسي بلا رفيق، لذلك أصحب معي تلك الكتب التي اعتدت مطالعتها باستمرار، ويمكنني القول ان كل قراءة تضيف إليّ زادا جديدا، كل قراءة اكتشاف مهما تعددت مرات قراءة الكتاب الواحد، الكتب التي يمكنها أن تقطع البرنامج الصارم الذي ألتزمه، تلك المتصلة بالفلك وعلم الكون، ومعظمها مترجم، بمجرد صدور ترجمة جديدة لأحدها أسعى إلى اقتنائه على الفور، والاطلاع عليه وما أندرها في المكتبة العربية، لقد اصبحت قراءاتي خلال العقد الأخير مركزة في العلم والفلسفة والشعر، ما أندر الروايات التي أقرأها، إنني أدقق كثيرا الآن في الاختيار، فما تبقى من الطاقة محدود، وشعوري الضاغط بالوقت ثقيل، طاغ، ولكن مما أحمد الله عليه أن نهمي إلى القراءة لم يهن، وقد أمضيت عقودي الأولى أطالع كتابا واحدا فقط، الآن أقرأ في سبعة كتب مختلفة في عين الوقت وأتطلع إلى مزيد، ما أحتاج إليه، الوقت.. الوقت.