أن يخرج الرئيس الايراني محمد خاتمي الهاديء الطبع والوديع في علاقاته العامة الداخلية والخارجية عن «طوره» وهو يرد على الرئيس الامريكي جورج بوش. وان تخرج صحيفة «نوروز» الاصلاحية، المتطرفة ،المتهمة أصلا بترويجها لنوع من الاصلاح يتهمهم المحافظون عليه ويسمونه بالاصلاح الامريكي ان تخرج بعنوان عريض «إجماع ايراني لرد اتهامات بوش» يعني فيما يعني ان بوش والامريكيين خسروا «معركة الداخل» الايراني إذا جاز مثل هذا التعبير بشكل نهائي وإلى الابد. فالمراقبون يرون في رد خاتمي تحولاً كبيراً في صيغة الخطاب الاصلاحي، فقد كان خاتمي في رده المطول على اتهامات بوش واضحا وشفافا بشكل لا يقبل أي تفسير أو تأويل. فماذا قال خاتمي لبوش في جلسة مجلس الوزراء الايرانية الأربعاء الماضي: التدخل في الشئون الداخلية أولا: ان الشعب الايراني مصمم على العيش حراً على قاعدة الثورة والتحول التي انطلقت في العام 1979 وهي أرضية تقوم على الانتخابات المباشرة وغير المباشرة لكافة أركان النظام، وان يبني بلاده على أسس دينه وعقيدته. وهو رد غير مباشر على ما يبدو تجاه الدعوة الامريكية بأن الشعب الايراني يعيش ضغوطا متزايدة من أقلية غير منتخبة! ثانيا: ان الشعب الايراني مصمم على نيل الحرية وترسيخها ولكن مترافقة بالاستقلال، مذكرا بوش بأن انتفاضة الحرية والاستقلال التي انتصرت في العام 1979 حصلت في الوقت الذي كانت فيه ايران تعيش تحت ظل هيمنة عشرات الآلاف من المستشارين الاجانب بينهم أكثر من أربعين ألف مستشار أمريكي كانوا يديرون شئون البلاد الرئيسية حسب نص كلمة الرئيس محمد خاتمي. ثالثا: يبدو ان الرئيس جورج بوش الابن ليس فقط لا يريد ان يتعلم أو بتعبير أدق «لا يملك الاستعداد للتعلم من التاريخ» كما ورد في نص تعليق الرئيس خاتمي، بل انه «ذاهب الى ما هو أسوأ من أسلافه» باتخاذ سياسات «أبعد عن الواقعية وأكثر استعلائية وأكثر تدخلاً في الشئون الداخلية والأسوأ من ذلك كله أكثر اهانة للشعب الايراني». رابعاً: ان على جورج بوش ان يتذكر بأن ايران كانت أولى ضحايا الارهاب والأسلحة الكيميائية، وان ادارة بلاده هي التي وضعت هذه الاسلحة المميتة وغيرها من اسلحة الدمار الشامل بيد عدو اقليمي لنا كان يمعن في قمع ارادة الاستقلال والحرية لبلادنا فيما ادارته كانت متفرجة عليه إن لم تكن راضية بما يقوم به. خامساً: إن الادارة الامريكية تستغل حوادث 11 سبتمبر المروعة التي شهدت اجماعا عالميا على ادانتها، أسوأ استغلال، من خلال توجيه التحرك العالمي هذا باتجاه دعم واسناد الكيان الصهيوني الارهابي الذي يمارس أسوأ أنواع الاجرام ضد أكثر الشعوب مظلومية وبراءة وهو الشعب الفلسطيني، بل وينتهك كافة الاتفاقيات المعقودة بينه وبين السلطة الفلسطينية بممارسة الاجرام والقمع بحقها». سادساً: إن على الشعب الامريكي العظيم والذي يستطيع ان يلعب دوراً مهماً على طريق السلام والتقدم العالمي ان يسوي حساباته مع الساسة الامريكيين الذين يروجون للعنف والحرب باسم السلام وللقمع باسم الحرية، وهو الطريق الذي يبدو ان الصهاينة جروهم اليه للايقاع بهم في الفخ. سابعاً: «إننا سوف نبقى مصممين على حماية واسناد الحركة الفلسطينية المناضلة من أجل الاستقلال والحرية والتحرر حتى تحقق كافة أهداف الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة والثانية في فلسطين وايجاد سلام شامل وعادل وواقعي فيها». ثامناً: «إن سياسات الادارة الامريكية الراهنة سوف تزيد من حالة الاتحاد والوفاق الايراني في مواجهة نزعات الهيمنة والتدخل للدول التي تريد توسيع هيمنتها بالاكاذيب والاتهامات». تاسعاً: «إننا ضد الحرب ودعاة حقيقيون للسلام الواقعي، نعم، لكننا لن نقبل بالخضوع لأية ارادة أجنبية، وقد كلفتنا شعارات الحرية والاستقلال والجمهورية الاسلامية أثمانا باهظة، ومازلنا مستعدين لدفع المزيد على هذا الطريق». عاشراً: «إننا نعتقد جازمين بأن مثل هذه السياسات تروج لها الادارة الامريكية محكومة بالفشل لأن العالم يتجه ليكون عالم الحوار والمنطق. واننا إذ نأمل ان يسود السلام العالمي مستقبلنا الواعد نستبشر خيرا باستقبال حكماء العالم وعقلائه لمقولة الحوار بين الثقافات والحضارات». دروس التاريخ إنها رسالة مفتوحة من رئيس مثقف يؤمن بالحرية والاستقلال والسلام الواقعي والحقيقي كما يؤمن بمنطق الحوار ومحاجة الرأي بالرأي الآخر الى رئيس يفتقر مع الأسف الى أبسط قواعد التعاطي بالرأي والرأي الآخر ولا يريد أو «غير قادر» كما يقول خاتمي ان يتعلم دروس التاريخ. وعلى ما يبدو تتحكم به ثلة من المستشارين العسكريين الثملين بالانتصار الافغاني والذين يريدون ان يسيروا بالعالم الى مزيد من الحروب والكوارث والويلات. إنه منعطف هام للغاية الذي يعيشه العالم الراهن يقول عنه الرئيس محمد خاتمي وهو يخاطب جمعا من المثقفين العرب الذين زاروا طهران قبل أيام من تهديدات بوش: «إنه منعطف البحث عن الهوية من خلال العودة الى الذات.. عودة صادقة وعاقلة، لا تريد البقاء في الماضي، بل الانطلاق منه الى مستقبل واعد على قواعد المزج بين الاصالة الدينية والتجدد العلمي وتفعيل العقل البشري، خلافا لما يدعونا اليه المتطرفون من أهل جلدتنا الذين يريدون العودة للماضي بالعنف والبقاء به متمترسين رافضين كل تجدد بحجة انه بدعة وايضا خلافا لما يدعونا اليه أرباب الانبهار بالحداثة الغربية الذين يريدون بنا القفز فوق خصائصنا الذاتية وتاريخنا وقيمنا والرمي بنا في مجهولات نهاية التاريخ لفوكوياما أو صدام حضارات هنتنجتون اللذين يمثلان حضارة أو مدنية متأزمة أصلاً ناهيك عن انها تعيش فراغا وتخبطاً روحياً واخلاقياً متفاقماً». معركة خاسرة الأشهر والسنون المقبلة ستكون بلاشك هي الحكم بين بوش وخاتمي، وسيرى العالم بأم عينه فيما اذا كانت الحراب والسيوف هي الفاعلة أم الكلام والحوار، علماً بأن القطيعة بين منطق خاتمي المحاور ومنطق بوش الحربي باتت على حد السيف أو أشد. واذا كان بوش يفكر يوميا في الحملة على ايران فعلاً فليعلم منذ الآن انه دخل معركة خاسرة سلفا، لأنه وحّد الشارع الايراني كما لم يكن بالامكان ان يحصل في ظروف عادية، إذ خسر خاتمي «الحمل الوديع» والرجل الهاديء وداعية الحوار ونزع التوتر في العلاقات الدولية وأخرجه عن «طوره» حتى قبل ان يبدأ المعركة ضد ايران. فكيف سيكون حال الايرانيين الراديكاليين الذين يتربصون به الدوائر ليخطيء معهم حتى يعيدوا تعبئة الشارع الايراني من حولهم في معركة سيكون فيها الرئيس الايراني الاصلاحي والمعتدل وزير اعلام تلك المعركة. ـ كاتب ايراني