لا ريب ان الحرب تعد من أبشع الظواهر المقيتة التي تقشعر لفظاعتها الابدان وترتعد لهولها النفوس، بسبب ما تجلبه من كوارث وتحدثه من محن، للأفراد، والشعوب على حد سواء.ومن الأمور الملفتة للنظر، ان أهداف الحروب في عالمنا المعاصر وفي ظل النظام الدولي الجديد، قد تغيرت وأصبحت مختلفة، الى حد بعيد، عما كانت عليه في الماضي، حينما كان المقصود منها، الانتصار على دولة ما بغية احتلال أراضيها أو استغلال مواردها الاقتصادية أو الغذائية أو المائية، أو لحسم نزاع حدودي أو من أجل توحيد اجزاء مبعثرة من بلد ما، كما فعل بسمارك عندما خاض قتالا شرسا بهدف توحيد ألمانيا. وكانت الحرب ترمي احيانا الى رد غائلة هجوم محتمل، وضمن هذا الاطار، يخطر على بالنا ما يسمى بالحرب الوقائية التي تخوض دولة ما معتركها ضد دولة ثانية قبل ان يشتد عودها وتكتمل استعداداتها الهجومية. وبذلك تستبق الاحداث وتمنع الدولة الثانية من البدء بالهجوم. ولكن للأسف، فإن بعض البلدان تختبيء تحت مظلة الحرب الوقائية وتتعلل بها، من أجل شن عدوان سافر. وهذا ما كانت ومازالت تفعله اسرائيل، كلما عنّ لها ان تعتدي على بلد عربي ما. فهي مثلا تسوغ لنفسها، ان تدخل الى أي أرض خاضعة للسلطة الفلسطينية، وترتكب ما يحلو لها من المجازر وتغتال من تشاء من المسئولين، وتهدم البيوت، والمرافق الاذاعية والتلفازية. وأكثر من ذلك كله، فقد حللت لنفسها ان تأسر رأس السلطة الفلسطينية وتسجنه في مدينة رام الله. وكل هذا بحجة الوقاية من وقوع هجمات «ارهابية» ضدها. وهكذا نجد ان الأهداف الوقائية يتم اتخاذها احياناً ذريعة لعدوان غاشم.ومن البواعث الأخرى للحروب، الاسباب الدينية. وهذا يذكرنا بالفتوحات التي كان يشنها المسلمون في سالف الدهر وغابر الزمان، لنشر الدعوة الاسلامية، وإذا افترضنا ان الدوافع السابقة جوهرية وكافية لتبرير امتطاء صهوة القتال، فقد كان أوار الحرب كثيراً ما يشتعل لأسباب أخرى صغيرة لا تستحق سفك الدماء وازهاق الأرواح وتدمير المرافق مثل الحصول على فدية او اسعادة أسرى أو ربما من أجل حبيبة أو عشيقة أو رداً على اهانة أو بقصد الانتقام أو استجابة لنزوة مزاجية عابرة، ولا شك ان إضرام نيران الحروب من أجل مقاصد بسيطة أو تافهة يعد استهتاراً بأرواح البشر، واستهانة بمصائر الأمم وعلى كل حال فإن الأمر بالنسبة للحاضر يبدو مختلفاً وإن كان هناك بعض الحالات القتالية التي تكرر نماذج قديمة وتجارب سابقة وإذا حاولنا ان نرنو بأبصارنا نحو السنوات المقبلة حتى نستشرف آفاق المستقبل نجد ان الصورة تبدو مغايرة لما كان عليه الحال في الماضي فالحروب يمكن ان تذر قرونها من أجل المياه، أو بهدف تغيير أنظمة حكم أو بقصد الهيمنة على العالم، ولكن هناك شكلاً طريفاً منها، تلوم الآن بعض ملامحه وتهل تباشيره وهو الحرب من أجل السلام، أو في سبيل التسوية أو من أجل احراز اهداف سياسية. فهناك اليوم مناطق نزاع عديدة في العالم يمكن حلها بالاقناع أو بالدبلوماسية الهادئة أو بالمفاوضات أو بالمساومة ونذكر منها كأمثلة فلسطين وكشمير والجولان واسكندرونة وقبرص والصحراء الغربية وجزر الامارات الثلاث وغيرها. ولكن توجد مشكلات أخرى عصية على الحل ويصعب أو ربما يستحيل ايجاد مخرج أو منفذ لها، فما العمل؟ يرى بعض الخبراء السياسيين والعسكريين ان الحل هنا يمكن في شن حرب سريعة ومحدودة بهدف تحقيق تسويات أو أهداف سياسية معينة غير حربية.وهذا النهج بدأ تطبيقه بالفعل على نطاق ضيق منذ سنوات أو ربما عقود، ولكن يبدو ان النية تتجه نحو التوسع فيه، ونستطيع ان نذكر كأمثلة الحرب التي خاضت غمارها أمريكا وحلف الأطلسي ضد يوغسلافيا السابقة، ليس بقصد احتلال أراضيها أو استغلالها اقتصاديا وإنما بغية الضغط السياسي وايجاد الظروف الملائمة لتغيير نظام ميلوسيفيتش السلطوي والشمولي وبالفعل فقد تداعى هذا النظام شيئاً فشيئاً حتى لفظ آخر أنفاسه الأخيرة، ووصل الأمر إلى حد محاكمة رأس النظام بتهمة ارتكاب جرائم حرب. وننتقل بعد هذا الى الحرب ضد افغانستان والتي لم تكن ترمي الى السيطرة على شعب هذا البلد، وانما الى تغيير السلطة الحاكمة فيه، والمتمثلة بنظام طالبان الذي تأخذ عليه الولايات المتحدة ايواءه منظمة القاعدة المسئولة في رأيها عن شن هجمات الحادي عشر من سبتمبر على مركز التجارة العالمي. ونستطيع هنا ايضا ان نذكر الانتفاضة الفلسطينية التي لا ترمي الى ممارسة القتل من اجل القتل، او بغية تدمير الدولة العبرية، اذا ان هذا مستحيل في ضوء التفوق العسكري والتكنولوجي الاسرائيلي الكاسح، وانما تستهدف تحقيق سلام عادل وانهاء الاحتلال وانشاء دولة فلسطينية شرعية واعادة جميع الاراض التي احتلت في الخامس من يونيو 1967.ونذكر كذلك القتال الذي خاضه المقاتلون اللبنانيون ليس من اجل احتلال اسرائيل، وانما اجبارها على الانسحاب من جنوبي لبنان وما يسمى بالمنطقة الآمنية. ان هذه الامثلة القليلة التي اتينا على ذكرها تعطينا فكرة عن اهداف حروب الغد في ظل العولمة وتغير الاستراتيجيات وهيمنة النظام العالمي الجديد.فهذا النظام له تصوراته الخاصة بشأن مستقبل العالم، وهو يريد ان يكيف مصائر الامم وفقا لهذه التصورات التي يقول بعضهم انها غاشمة وسلطوية، بينما يقول آخرون انها تهدف الى تحقيق الديمقراطية واشاعة الرخاء في جميع ربوع الارض، وسواء صحت هذه المزاعم او تلك فإن النظام الدولي الجديد، سوف يحاول حل المشكلات الاقليمية وصياغة اشكال جديدة للحكم واجراء تغييرات سياسية جذرية بطرق سلمية. اما في الحالات التي تبوء فيها مثل هذه الطرق بالفشل، فإنه قد يلجأ الى شن حروب ضد الدول الصغيرة، حتى تصبح هناك انماط متشابهة ونماذج موحدة من النظم الاقتصادية والتجارية والسياسية التي تتماشى مع قوانين العولمة. وما الحرب المسماة الآن بالحرب ضد الارهاب سوى مثال حي على طبيعة الحروب التي يمكن ان تندلع في المستقبل، وتتوقف نتائج هذه الحروب، الى حد بعيد، على نوايا الدول التي تخوضها، بهدف عولمة مختلف مظاهر الحياة على كوكبنا الارضي. ـ كاتب سوري