بعد نجاح عمرو موسى في تنحية إشكالية اختفاء الإمام موسى الصدر جانبا في الوقت الراهن، لم يعد ثمة خلافات أو شكوك حول عقد أول مؤتمر للقمة العربية الدورية في موعدها المقرر خلال شهر مارس المقبل، بالعاصمة اللبنانية، لكن يظل السؤال المطروح بشأنها حول مصداقية القرارات المتوقع صدورها نهاية اجتماعات ومشاورات الملوك والرؤساء العرب ومدى تلبيتها لطموحات الأمة العربية في النهوض من كبوات العجز والإذعان للتحالف الاستراتيجي الأمريكي الاسرائيلي، أم تنكيس أعلام المواجهة وإعلان الاستسلام التام والموت الزؤام لا قدر الله، والحقيقة أن عمرو موسى بذل غاية جهده في تهيئة الأجواء العربية الكفيلة بنجاح القمة الدورية المرتقبة في الاضطلاع بدور فاعل في مواجهة التحديات التي تحيط بالأمة العربية منذ أزمة الخليج الثانية، ثم تفاقمت بشكل بالغ الخطورة إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي شهدتها نيويورك وواشنطن، وانعكاساتها السياسية المؤسفة عبر وصم العرب والمسلمين بالارهاب، ونوايا أمريكا المبيتة للانتقام منهم بوسائل شتى وغير مسبوقة، تراوحت بين التهديد بشن الحرب الشاملة والمحدودة وتجفيف منابع الفكر الاسلامي الجهادي، والمساواة بين المقاومة العربية للاحتلال الاسرائيلي بالارهاب، ومصادرة كافة النشاطات المالية الخاصة بدعم صمود الشعب الفلسطيني والاغاثة العربية والاسلامية.. الخ، ولاشك أن عمرو موسى نجح الى حد كبير في تطويق الخلاف المستمر بين الكويت والعراق سياسيا واعلاميا في اطار ما يسمى (بالحالة الكويتية العراقية)، مما أهله الى لملمة شتات المواقف العربية حول قرار موحد برفض استهداف الحرب الأمريكية ضد الارهاب ضرب أي دولة عربية وفي مقدمتها العراق، الأمر الذي شجعه بالتالي على الولوج المباشر لطرق أبواب العراق، واقناع الرئيس صدام حسين باطلاق مبادرة سياسية ذات شقين، (الأول) ويستهدف طمأنة دول الجوار الخليجي وخاصة الكويت والسعودية الى حسن النوايا العراقية وعدم التدخل في شئونها، والالتزام بالحدود الاقليمية في المنطقة، واستعداده لحل كافة المشكلات المعلقة وفي مقدمتها قضية الأسرى الكويتيين عبر أي شكل أو صيغة ما ترتضيها الكويت للتأكد من ادعاءاتها أو تبرئة ساحة العراق، (الثاني) الاتفاق مع القيادة العراقية على تصور مقبول يكلف بعرضه على الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان من شأنه الوفاء بمضمون القرارات الخاصة بالتأكد من التزام العراق بعدم حيازة أي من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية المحرمة دوليا، وتفويت الفرصة بالتالي على أمريكا لضرب العراق بدعوى عدم امتثاله بعودة المفتشين الدوليين! على أن المبادرة العراقية التي شدد عمرو موسى على تكتم تفاصيلها والمشاورات العربية بشأنها حتى يضمن إفلاتها من المتربصين بإجهاضها في مهدها، ونالت القبول والرضا من حيث المبدأ، خاصة من جانب الكويت والسعودية ومصر، إلا أن الرياح لم تأت بما تشتهيه السفن، إذ سرعان ما شن رئيس مجلس الأمة الكويتي جاسم الخرافي حملة شعواء على عمرو موسى واتهمه بتجاوز اختصاصاته، ووصف الدعوة المفتوحة التي وجهها صدام حسين الى الكويت والسعودية للقيام بالتفتيش عن الأسرى داخل العراق بأنها تدل على الجهل والاستهزاء بالأفكار والآراء العربية كلها، ورد عمرو موسى قائلا: (انه يعلم بمقدار المرارة لدى الكويت، كما أنه يعلم أيضا بمقدار الأخطار التي يتعرض لها العراق، الأمر الذي يخلق حالة يتعين معها الاختيار بين أن نبقى ساكتين تاركين الأمر لقوى أخرى، أو أن نحاول التعامل مع هذا الموضوع المهم في إطار ما تقرر عربيا ودوليا وفي ضوء الظروف المستجدة وهو الخيار الذي أراه ضروريا)، مؤكدا على أنه سوف يواصل مهمته التي بدأها مهما كانت الصعوبات، لأنها جزء من صلاحياته ودوره كأمين عام للجامعة العربية من واجبه فتح كافة الملفات المعروضة على القمة العربية حتى تكون على بينة بالخيارات المطروحة لمعالجتها، معتبرا النزاع الكويتي العراقي شأنا يخص الأمة العربية وجامعتها لا من اختصاص الأمم المتحدة، ومن الطبيعي أن تعلم أمريكا عبر وسائلها الدبلوماسية والمخابراتية بتفاصيل ما جرى وراء الستار، وأن يبادر الرئيس بوش في خطاب الاتحاد الى تبديد الشكوك حول ضرب العراق، وادراج منظمات المقاومة العربية ضمن القائمة المستهدفة بالحرب المعلنة ضد الارهاب، فإذا أضفنا الى الصورة الكلية للموقف على الساحة العربية عزل وحصار ياسر عرفات ووصفه من قبل المبعوث الأمريكي الجنرال أنطوني زيني بزعيم للمافيا، وتحميل الادارة الأمريكية له المسئولية عن العنف أو الارهاب الفلسطيني ضد اسرائيل، رغم تماديها في التنكيل بالشعب الفلسطيني، من هنا يظل الرهان الوحيد على نجاح القمة الدورية في كشف الغمة الأمريكية، إذا ما تخلى الحكام العرب عن خلافاتهم العقيمة، وتحشدوا لانقاذ ما يمكن انقاذه، حيث لن يجدي بعدئذ البكاء على الأطلال وكانت الأمة العربية المعنية أكثر من غيرها بالمثل القائل (على نفسها جنت براقش)! ـ كاتب مصري