هي في كل العهود منذ الحرب العالمية الثانية عصابة «مافياوية» هذه هي الادارة الامريكية من عهد هاري ترومان الى عهد بوش الابن مروراً بعهود ريتشارد نيكسون ورونالد ريجان وبوش الأب وغيرهم. ولان رؤساء العصابة في كل العهود يخضعون تماما لملوك الصناعة العسكرية فإن اهم عضو من اعضائها يكون عادة وزير الدفاع كممثل للمؤسسة العسكرية لا وزير الخارجية كممثل للجهاز الدبلوماسي السلمي. هذه الحقيقة التي باتت الآن معروفة حتى لطلاب مادة العلوم السياسية او الشئون الدولية برزت بشكل لافت الشهر الماضي بمناسبة رحيل الرجل الأوحد حتى الآن الذي تحدى العصابة «المافياوية» في احد عهودها. «سايروس فانس» كان وزير الخارجية في عهد الرئيس جيمي كارتر من عام 1976 الى عام 1980، وكان غريمه الاكبر داخل الادارة زيبيجنيو بريجنسكي الذي لم تكن لديه على الدوام اجابة عن اي سؤال او حل لأي مشكلة سوى الحرب والعنف. ولان فانس صاحب مبدأ، لا أجيراً لجهة او اخرى فإنه عند منعطف خطير اختلف فيه مع الادارة لم يتردد في تقديم استقالته،.. وغادر السلطة غير نادم. كان ذلك في عام 1980 عندما كان الرئيس كارتر وطاقم ادارته قاطبة بمن في ذلك سايروس فانس نفسه والشعب الامريكي كله لا هاجس لهم سوى حادثة احتلال السفارة الامريكية في طهران على خلفية الفوران الثوري في ايران واحتجاز 52 دبلوماسياً امريكيا.. كانوا جميعا مهددين بالقتل. لقد اتخذ فانس موقفا معارضاً عندما تبلورت لدى رئيسه قناعة نهائية بضرورة شن عملية اقتحامية جوية لانقاذ الرهائن الامريكيين، وفي مواجهة هذه القناعة التي بنيت على اساس اقتراح من بريجنسكي قدم فانس اقتراحاً مضاداً يقضي بتبني اسلوب التفاوض الدبلوماسي مع قيادات الثورة الايرانية. ولم يكتف فانس بذلك، فقد انتقد العملية الاقتحامية الجوية المقترحة واعتبرها مخاطرة جسيمة محكوما عليها بالفشل الحتمي. وتقدم فانس باستقالته عندما اتضح تماما ان طاقم الادارة باجماعه بمن في ذلك الرئيس منحاز الى ممثل المؤسسة العسكرية وملوك الصناعة العسكرية الذين يقفون وراءها. ماذا كان النتيجة؟ أولاً: فشلت العملية الجوية تماما كما تنبأ فانس وقتل عدد من الفريق المكلف بانقاذ رهائن السفارة الذين لم ينقذ منهم احد. ثانيا: اطلق الايرانيون سراح الرهائن بعد فترة كنتيجة لعملية تفاوضية مطولة اجراها معهم الجانب الامريكي.. وهو الاسلوب الذي اقترحه اصلاً سايروس فانس. ان استقالة سايروس فانس هي الاولى والاخيرة من نوعها في التاريخ السياسي للولايات المتحدة لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وباستعراض فصول ذلك التاريخ سوف نكتشف ان استقالة فانس إذ اضافت الى شرفه الشخصي كسياسي ذي قيم اخلاقية فإنها في الحقيقة لا تعتبر علامة فارقة او نقطة تحول. فالطبيعة «المافياوية» للادارة الامريكية والطابع العسكري الحربي الغالب على ادائها تبقى حتى الآن كما هي. ونرى الآن في ادارة جورج بوش الابن الراهنة ان اشد اعضاء الادارة نفوذاً هو ممثل الصناعة الحربية دونالد رامسفيلد وزير الدفاع، ورغم اننا نسمع من حين لآخر ان هناك خلافاً حول قضية معينة نشأ بين رامسفيلد وعضو آخر في الادارة إلا ان هذا الوزير الذي لا يعرف غير لغة الحرب والعنف هو الذي يقرر اتجاه الامور في النهاية. لقد كان فيليب حبيب احد الدبلوماسيين الامريكيين الذين عملوا مع سايروس فانس في الخارجية الامريكية، ولخص حبيب شخصية فانس بقوله: «ان النزاهة المطلقة والكاملة لفانس جعلت منه افضل وزير عملت معه». انها النزاهة التي يفتقر اليها تماما رجال مثل جورج بوش ووزيره دونالد رامسفيلد.