كثير من التعليقات العربية انصبت على الخطاب الاخير للرئيس جورج بوش الابن، خاصة حديثه عن الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد الارهاب، واشارته الى ان هذه الحرب يمكن ان تشمل دولاً ومنظمات، في المحيط العربي والشرق أوسطي، بل انه ذكر بعضها بالاسم. بعض العرب تبنوا وجهة نظر غاضبة من هذا التعميم، الذي ذهب اليه رئيس اكبر دولة في عالم اليوم، بينما تمنى البعض الآخر لو ان الرئيس جورج بوش قد حدد الاهداف وبرمجها على مراحل، بادئا بالمهم من وجهة نظرهم. هذان الموقفان ـ على اختلافهما ـ يوضحان مدى الهوة التي تفصل بين طريقتين في فهم العمل السياسي، هما طريقة تناول الغرب الديمقراطي للمسائل العامة، خاصة السياسية، وطريق التناول السياسي السائدة في ثقافتنا العربية والسياسية، ففي الغرب لا يستطيع السياسي «في الغالب» إلا ان يقول ويعلن ما هو حقيقي، وقريب من «الصدق» ومتوافق مع ما يشاهده العامة، وذلك لان هذا السياسي يعرف ان هناك قاعدة عريضة تحاسبه على الكلمات والافعال، ومن ثم فإنه لا يستطيع ان يذكر استثناء الآن، ليعود من جديد للتعميم في وقت لاحق. وفي المثال الثاني فإن المداورة والمناورة واستخدام الكلمات التي ليس لها معنى محدد في الاغلب وقول الشيء وفعل نقيضه، كل هذا هو السائد في المتناول والمقبول السياسي العربي، لانه ليست هناك قاعدة تواجهه وتحاسبه وتذكره بمواقفه واقواله وافعاله، حيث لا يكون للقول علاقة بالعمل، و«فض المجال» منفصل عن الصدقية والتنفيذ! وان رغبنا في ضرب بعض الامثلة فهي كثيرة تمر بين ايدينا كل يوم تقريبا، وما علينا إلا سبر بعضها من اجل ضرب المثال لا غير. فأرييل ارييل شارون رئيس الوزراء الاسرائيلي، قد صرح منذ ايام بأنه نادم لانه لم يغتل ياسر عرفات في بيروت في بداية الثمانينيات، عندما كانت الفرصة سانحة لذلك، وهو امر استنكره البعض لبشاعته، ولكنه امر صادق بالمعنى العام للكمة، فهذا الاسف هو الذي يشعر به شارون اليوم بصرف النظر عن نتائجه وردات فعل الآخرين حياله، في الوقت نفسه فإن معظم المعاقين السياسيين خاصة الغربيين يرون ان المشكلة مع ياسر عرفات هي مشكلة تتعلق بصدقه او عدمه، كما تتعلق بقدراته على الوفاء بوعوده، او تناسيها، سواء الوعود التي يطلقها علناً او سراً المرة تلو الاخرى، وهي صفة سلبية لم يسع ياسر عرفات الى التراجع عنها في ممارساته العامة وحتى في حصاره المؤسف الاخير، خاصة انه يجد من يبرر له هذه «السمة» في البيئة السياسية العربية او الواقع الصعب الذي يعيشه، ولكن الرأي الآخر يقول لا تعد بما لا تستطيع ان تنفذ، وقل «لا» واضحة وجلية وتحمل نتائجها، خيرا من ان تقول «نعم» السائدة، والوقوع في ضبابية لا يعرفها الصديق ولا يثق بها العدو. واذا توجهنا الى مكان آخر من ممارسة السياسة العربية المتسربلة بالغموض والمناورة وبالكذب الصراح احيانا: فسوف نرى في بغداد مثالا صارخاً آخر، فكم هي الوعود اللفظية التي اطلقتها بغداد في كل اتجاه، بعضها ينم عن احتقار بالغ القسوة لذكاء الآخرين، لعلي اذكر بعضها هنا على سبيل المثال فقط، فعندما دعت بغداد الجارة ايران في نهاية سنة 1990 لاقتسام الخليج فيما بينها نفطا وأرضاً «وهو الامر الذي رفضته طهران» كان ذلك مناورة مفضوحة لكل ما تقف ووقفت بغداد من اجله في السابق.. وايضا اعلان بيع النفط بأسعار رخيصة لمن يطلبه من الدول المستهلكة بشرط ان تصرف هذه الدول النظر عن اغتصاب حاكم بغداد لارض الكويت وعدم الاقدام على ادانة الجريمة، وقد رفض العالم كله ذلك العرض الطافح بالمناورة والساخر بكل الثوابت والعابث بالقيم والاعراف.. ولكن بغداد كانت تعتقد ان من «مهارات السياسة» ان تبذر الكذب والوعود! واليوم تأتي بغداد بـ «أفكار» من اجل ما اصبح يعرف في الدبلوماسية العربية الغامضة ب«الحالة» بين العراق والكويت، وهو تعبير في حده الادنى غامض وضبابي ان دل على شيء فإنما يدل على عدم الاحترام لعقول الآخرين، وفقدان القدرة على مواجهة الحقيقة وقول الصدق، فما بين الكويت والنظام العراقي فيما يتعلق بجريمة احتلال الكويت بون شاسع في صدقية العمل السياسي، فقد كان احتلالاً بشعاً ومناورة فجرت بالكامل البناء العربي الذي شيد بشق الانفس بعد الحرب العالمية الثانية، وقد دمره حاكم العراق ضاربا عرض الحائط بكل الثوابت العربية، كما ان الوضع بعد ذلك تحول من شأن اقليمي الى عالمي بين بغداد ومجموعة من القرارات الدولية الملزمة، قررها واصدرها بالاجماع مجلس الامن، وهو القيادة الدولية المنوط بها ادارة قضايا السلم والحرب العالميين في زماننا هذا. «الافكار» التي قدمتها بغداد تتجاوز «الافكار» التي رفضتها هي نفسها في قمة عمان «الاردن» قبل سنة تقريبا، الفرق بين هذه وتلك ان الاولى لو كانت قبلت لحظيت بتوثيق وشهادة الرؤساء والقادة العرب، اما الافكار الاخيرة فليس ثمة شاهد، غير كلمة بغداد، وهي كلمة ان صدق فيها قول فهو انه «لا صدقية لها البتة» كما ان الفرق الجوهري الآخر هو ان «الافكار» الاولى اعلنت قبل كارثة الحادي عشر من سبتمبر 2001، والثانية جاءت بعدها وبين الزمنين تغيرات كبيرة معروفة. هناك تاريخ طويل من «الكذب» السياسي الصادر من بغداد وربما يعتقد البعض انه ناتج من قلة النضج، او من انعدام الدراية بالعواقب، مما يخفف ثقلا من السياسة الداخلية للسياسة الخارجية ويتطابق معها، لذلك «السياسة» في نظر هذه المدرسة في بغداد هي كذب مستمر أو مناورات يطرح فيها اللفظ ولا يهم الانفصال فيها بين الكلام والعمل، وهي ناجحة عنوة وقسراً في الداخل، فلماذا لا تنجح في الخارج؟ تلك الممارسات بعيدة كل البعد عن العمل السياسي بكل ما يعنيه ويهدف اليه، وهي تشويش بالغ الخطورة في العلاقات الدولية. يقول العرب ان «الكذب حبله قصير» وهم لم يخطئوا في ذلك واذا تحول الحبل الى السياسة فإنه يزداد قصراً خاصة في ممارسة السياسة اليوم، وفي هذا العالم الجديد الذي يتشكل، لان الناس الآن غيرهم بالامس، فقد اصبحت وسائل الاعلام لاتترك صغيرة ولا كبيرة إلا تناولتها من دون حواجز، ولم تعد سياسات الجدران العالية هي المخرج، فالسواتل في السماء اعلى بكثير من ان تطاولها رقابة او تمنعها من تتبع ما يعد به السياسيون مهما طال امده. ولكن السؤال الملح هو: هل في الثقافة العربية السياسية شيء ما يشجع على الكذب؟ وهل نستسهل نحن، كمتلقين، قبول «الكذبة» التي نريد سماعها، ونستسيغ رفض «الحقيقة» التي نكره ان يذكرنا بها احد؟! يبدو ان ذلك التحليل أقرب الى الواقع، فقد شاهدت استطلاعاً للرأي في احد مواقع الانترنت العربية الشهيرة، وهو عن سؤال الى المتلقين، يقول: «هل تؤيد المصالحة العراقية ـ الكويتية؟». «انظر كيف وجه السؤال!» ثم تجد من الاجابات ان اكثر قليلا من 90% من المستجيبين قالوا «نعم»! ويبدو ان احدا لم يسأل نفسه، قبل الاجابة عن هذا السؤال، اللغم عددا من الاسئلة، مثل: ما المشكلة العالقة، وما بعدها الدولي؟ وماذا سوف تحققه من ايجابية او تمنعه من سلبية في العمل العربي؟ كل هذه الاسئلة تجاوزها الاستطلاع! ولعل فقرة من الخطاب الاخير للرئيس جورج بوش في هذا السياق تؤدي الى مفتاح الفهم الحقيقي لما نحن بصدده، فقد اتهم في خطابه النظام العراقي «وانا انقل هنا الترجمة الحرفية» حيث ذكر ان النظام العراقي «نظام يخفي شيئا ما عن العالم المتحضر»... والاخفاء ـ بطبيعة الحال ـ هو نوع من الكذب، أو لعله في السياسة الدولية قمة الكذب! ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت