احترت والله، واحتار دليلي. ها نحن نقلب صفحات كتاب الطبقات الشهير الذي صنف فيه سلفنا الذكي اللبيب، محمد بن سلام الجمحي (139 ـ 231 هجرية) شعراء العرب الى طبقات حسب مستوى الاجادة ، ودرجة الموهبة وعمق التأثير في عمود الإبداع العربي وحيث كان ابن سلام، رحمه الله، يصدر عن رؤيته التي تقول ان للشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم لسائر أصناف العلم والصناعات. لاحظ ان كلمة ثقافة بمعنى الدربة وطول التحصيل ودقة الممارسة كانت تستخدم منذ القرن الثاني للهجرة وربما القرن الأول. والله أعلم.. ولاحظ استخدام مصطلح الصناعة.. والصناعات وكأنما يقول الناقد الكلاسيكي الكبير ان ابداع الشعر ليس مسألة سهلة ولا هي ميسورة.. قريبة التناول يزاولها هذا أو ذاك وإنما الشعر في رأيه علم وفن.. موهبة وممارسة.. استعداد وصقل. لكن حديثنا اليوم ليس عن شعر المبدعين من أسلافنا اليعاربة فحول الشعراء كما يسميهم العم ابن سلام الجمحي.. ولا الحديث عن ابن سلام نفسه. كل ما هنالك اننا اقتنينا ـ فضلة خيرك ـ السفر الأول من كتاب طبقات فحول الشعراء وقد صدر في سلسلة اسمها (الذخائر) عن الهيئة العامة لقصور الثقافة في مصر المحروسة. وبالمناسبة فإن اطلاق مصطلح (قصر) الثقافة على المركز المحلي المقام في الجيزة أو الحي أو الأقليم يعود الى العلامة الدكتور ثروت عكاشة أسعد الله أيامه وزير ثقافة عبد الناصر والأب الروحي للصرح الثقافي السامق الباذخ الذي نعمنا بمآثره جيلا من بعد جيل. والكتاب المذكور صادر وقد زينت غلافه عبارة تقول: قرأه وشرحه محمود محمد شاكر وتلك اشارة متواضعة الى الجهد الخطير الذي بذله علامة آخر هو المرحوم الاستاذ شاكر في تحقيق الكتاب وبفضل هذا الجهد الذي تفضل به (أبو فهر) في الشرح والتحقيق جاءت الشروح والحواشي التي أثبتها الاستاذ شاكر على المتن الأصلي، كما جاءت مناقشاته لسياقات النصوص والأخبار والأشعار وكأنها كتاب آخر ملحق بالكتاب الأصلي على نحو ما يقول الدكتور عبد الحكيم راضي في تقديمه للطبعة التي نحدثك عنها في هذه السطور وقد زاد من قيمتها في أعيننا ان جاءت زهيدة السعر. خمسة جنيهات مصرية.. وهو مبلغ يحوم حول الدولار الواحد فقط لا غير، يا بلاش! صحيح ان الورق داكن اللون قليلا.. يكاد يصدق عليه وصف (ورق اللحمة) كما يقول الوراقون وأرباب صناعة الطبع والنشر لكنك تدفع الجنيهات الخمسة الزهية في هذه الأيام مقابل جزء نفيس من واحد من أمهات الكتب صادر في 525 صفحة من القطع المتوسط وربنا يجعل بيوت الدولة وثقافتها ومطبوعاتها المدعومة الزهيدة عمار وما عليك الا ان تعبر قليلا على صفرة الورق وأن تحدق مليا في سطور الكتاب وأنت الرابح في التحليل الأخير. لماذا نحدثك عن طبقات الشعراء ؟ لأن مؤلفه ابن سلام يقول في تصديره المسهب للكتاب ان من الشعر ما هو مصنوع مفتعل وما هو موضوع لا خير فيه (حيث) لا أدب يستفاد ولا معنى يستخرج ولا مثل يضرب ولا مديح رائع ولا هجاء مقذع ولا فخر معجب ولا نسيب مستطرف.. الخ (لاحظ ان الهجاء لابد وأن يكون مقذعا وقد شرحها المحقق رحمه الله ـ بأنه الفحش وإساءة القول أو فلنقل الإمعان في قلة الأدب. والعياذ بالله) والمشكلة ان صادفنا ابن سلام وهو يستطرد قائلا إنه لا يجوز قبول الشعر من صحيفة ولا يروى عن صحفي! هنالك أسقط في يدنا ونحن ننتمي باعتزاز لا يخفى الى مهنة الكتابة في صحيفة.. مهنة الصحفي المحترف الجورنالجي كما يصفها الاستاذ محمد حسنين هيكل في بعض ما يصدر عنه من أحاديث أو كتابات. هنالك أيضا عادت بنا ذكريات التاريخ الحديث الى بزوغ المهن المعاصرة التي تطورت الى حيث باتت تستحق احترام المجتمع وتقدير الناس. ولسنا ندري كيف كان أمر هذا التطور في اقطار من المشرق أو المغرب من وطن اليعاربة.. لكننا ندري ـ بحكم ما حصلناه من معارف التاريخ الحديث ان أمر هذه المهن لم يكن سهلا ولا كان احترافها باستمرار مدعاة لعلو الشأن أو احترام المكانة أو حسن الاحدوثة. ألم يأتك مثلا نبأ مهنة التمثيل وكيف كان الناس يزدرون من يحترفها مهما كانت ثقافته أو تحصيله العلمي ويطلقون عليه وصف المشخصاتي. أو مهنة المحاماة التي كان يشتغل بها منذ أواخر القرن التاسع عشر أفراد بغير مؤهلات أكاديمية وقصاراهم لسان ذرب وبلاغة مستعدة وبديهة حاضرة حتى قيل في وصف الواحد منهم بأنه (غلباوي قانوني) وكان ذلك طبعا قبل ان يتأهل أرباب المهنة فيحصلوا على درجة الليسانس في القانون ومن ثم ينظمون سلك الانتساب الى مهنة القضاء الواقف ويشتهر من بينهم رجال من الاعلام ما بين سعد زغلول ـ الزعيم الى عبد العزيز فهمي.. شيخ القضاة الى عبد الحميد بدوي أول عربي يختارونه قاضيا في محكمة العدل الدولية في لاهاي. أو يأتيك نبأ مهنة الصحفي ـ الجورنالجي الذي كان البعض يصورونه مجرد طفيلي ممن يتسقطون أخبار الناس ويتكسبون من كشف خصوصياتهم أو يدبجون مواضيع الإنشاء في مدح الكبراء ومداهنة العظماء دع عنك تملق الحكام ان خوفا أحيانا أو طمعا أحيانا أو خوفا وطمعا في معظم الأحيان، صحيح ان في مهنة التمثيل من نبغ واشتهر وأجاد من صفوف الرواد الأوائل.. الفنان جورج أبيض مثلا (1880 ـ 1959) تحول بموهبته من ناظر محطة سيدي جابر للسكة الحديد في الاسكندرية ليدرس فن التمثيل في أكاديميات فرنسا ثم عاد الى مصر ليقدم روائع المسرح المعاصر باللغة الفصحى وليصبح جورج بك فينسى الناس حكاية المشخصاتي بتاع الزمانات الذي لم تكن تقبل له شهادة أمام المحاكم. وصحيح ان لطفي السيد باشا كان رئيسا لتحرير صحيفة (الجريدة) ومن قبله كان مصطفى كامل باشا رئيسا لتحرير صحيفة (اللواء) وكان ذلك في سنوات العقد الأول من القرن الماضي ومن بعدها احترف الصحافة حسين هيكل باشا رئيسا لتحرير جريدة «السياسة» بل أصبح الدكتور هيكل زعيما لحزب كبير ورئيسا لمجلس الشيوخ. لكن يظل تاريخ الصحافة والصحفيين يعاني من ندوب الزمن ولا تنسى ذاكرته مثلا كيف ان صحفيا كان ملء السمع والبصر في أولى سنوات القرن العشرين هو المرحوم الشيخ علي يوسف رفضوا اتمام زواجه من كريمة احدى الأسر العريقة بدعوى انعدام الكفاءة بين الطرفين. ورغم ان علي يوسف كان صديقا مقربا من حاكم البلاد وقتها ـ الخديوي عباس حلمي وكان رئيسا لحزب (الاصلاح) الموالي للحاكم وحائزا على رتبة باشوية من السلطان العثماني في اسطنبول ومالكا لاهم جريدة في عالم العروبة وقتئذ والإسلام، هي جريدة «المؤيد» وكان رئيسا لتحريرها ـ رغم هذه المزايا وغيرها فقد أصدرت المحكمة الشرعية حكمها بالتفريق بين علي يوسف والسيدة (صفية) لأنها كانت حسيبة نسيبة في حين أنه كان.. صحفيا. ولسنا نكتم سرا.. فقد هرعنا الى معاجم اللغة لكي نتدارس مادة الصحافة والصحفي لعلنا نفهم سر هذا التحامل علينا نحن معشر الصحفيين. إن العلامة محمود شاكر يُقرّ حكاية ألا يؤخذ رواية الشعر عن صحفي ثم يسارع ـ أكرم الله مثواه ـ فيفسر الأمر قائلا: الصحفي هو الذي يأخذ عن صحيفة (بمعنى أنه) لم يعرض على العلماء ولم يتلق علمه بالرواية (بمعنى عن طريق التواتر والأساتذة والاسناد) ثمة شاهد آخر نثق في حكمه هو الأب عيسى المعلوف في قاموسه الشهير (المنجد) في اللغة والاعلام يحذرنا ـ علم الله ـ من استخدام لفظة صحفي (للدلالة على مهنتنا الشريفة لأن الصحفي ـ أعزك الله ـ هو الذي يروي الخطأ لأنه يأخذ العلم عن صحيفة لا عن أستاذ (طبعا الصحيفة بمعنى كلام مكتوب) بل ان عبارة تصحف القارئ تعني أخطأ في القراءة وصحف الكلمة (بتشديد الحاء) بمعنى انحرف بها عن موضعها لا مناص أيضا من ان نستفتي مرجعا آخر هو (المعجم الوسيط) الصادر عن مجمع اللغة العربية القاهري الكلي الاحترام وهو مرجع رصين بكل معنى. والحمد لله أنك عند الوسيط تلقى نوعا من التسهيل حيث يُقر بأن الصحفي هو من لا يتعلم ولا يتخرج على يد أستاذ وكأنه يأخذ بنوع من العلم الهجين مثل النبت الشيطاني. ولكن مجمع القاهرة لا يلبث أن يضيف الى الكلمة دلالة الاستخدام الشائع لها بما يفيد ـ كنز الله خيره ـ بأن الصحفي هو أيضا من يزاول حرفة الصحافة، وإن كان (الوسيط) يضيف (من باب الاحتراز) موضحا ان اللفظة محدثة وهو هنا أقل تشددا من منجد (الاب المعلوف الذي يؤكد ان الصحافة عند المحدثين هي كتابة الجرائد ومن يتخذها مهنة يسمى الصحافي) بس خلاص. ولقد كدنا نغير من اسم المهنة في بطاقة التعريف التي طبعناها مؤخرا ودفعنا ثمنا لها الشيء الفلاني لنجعلها (صحافي) كما جرى عرف اخوتنا وزملاء حرفتنا من أهل المشرق وحتى نبتعد عن حكاية ألا تؤخذ الرواية عن (صحفي) على نحو ما قال به محمد بن سلام. لكن ها هو مجمع الخالدين في القاهرة وقد أجاز اللفظتين صحفي وصحافي تيسيرا منه على الناطقين بالضاد والقارئين لصحفها ومجلاتها. فإذا ما ظل الأمر ملتبسا يصبح لا مفر في رأينا المتواضع من العودة الى اللفظة الاعجمية التي كان يستخدمها أهل الجيل القديم. وساعتها يقدم كل منا نفسه قائلا: محسوبك فلان الفلاني. جورنالجي والله المستعان.