كان الشعور بالاحباط يخيم على جوانب نفسي طوال الأيام التي قضيتها متجولا في أروقة وأجنحة معرض القاهرة الدولي للكتاب وذلك لأسباب كثيرة من أهمها فوضى النشر، التي تملأ جوانب المعرض، فلا يوجد تصنيف أو تبويب يساعد المترددين على المعرض على معرفة أين يتوجهون حسب اهتماماتهم في القراءة، ولا توجد استعلامات حتى شفوية تدل الناس على أماكن الكتب أو دور النشر ولا توجد خرائط تعرف بالناشرين أو محتويات الأجنحة، أما الخدمات مثل دورات المياه مثلا فهي لا تصلح لاستخدام الحيوانات للأسف ورائحتها تدفعك للفرار من الشارع المجاور لها. عشرات الآلاف من الناس يتدافعون في كل اتجاه في غياب كامل عن اللوحات الارشادية أو التوجيه حتى عبر اذاعة داخلية تغطي كل شوارع وجوانب المعرض، فاعتقد ان كل من سافروا الى الخارج وشاهدوا كيف يتم التعامل مع الكتاب ومعارض الكتاب سيشعرون بحجم الفضوى العارمة في أكبر معرض للكتب في الشرق الاوسط. لكن فجأة يجد الانسان نفسه أمام بصيص من الأمل يزيل عنه مشاعر الأسى والاحباط، فقد وجدتني في احدى الاجنحة أمام دار نشر تعرض ما لا يعرضه الآخرون تشككت في البداية ان تكون دار نشر مصرية لكني وجدت لافتة صغيرة مكتوب عليها «دار الفاروق» وبخط أصغر بالقلم كتب تحتها «الحائز على جائزة أفضل ناشر للعام الثاني على التوالي» توقفت عند هذه العبارة لأرى ما الذي تقدمه هذه الدار، فجأة بدأ الامل يسري في جوانب نفسي ليحل محل الاحباط، فقد وجدتني أمام دار نشر متميزة بالفعل في اصداراتها من ناحية المحتويات والطباعة والعناوين ومتخصصة في نشر نوعية واحدة من الكتب هي كتب الكمبيوتر والادارة. كان هناك رجل شاب ربما يكون في نهايات العقد السادس يرتب بعض الكتب على الأرفف ويجيب على أسئلة رواد الجناح بحرفية عالية، عرفت انه صاحب الدار ومؤسسها، السيد فاروق العامري ثم تعرفت على اثنين من أبنائه هما الدكتور خالد المدرس في كلية الطب البيطري بجامعة القاهرة ومدير النشر في الدار والكابتن عامري وهو قبطان بحري متفرغ ايضا للعمل مع والده واخوانه. سألت الدكتور خالد عن هذه التجربة المحيرة فقال ان عمرهم في مجال النشر لا يتعدى أربع سنوات نشروا خلالها ثلاثمئة وستون كتابا جديدا منها ستون في مجال الادارة والباقي في مجال الكمبيوتر وأنهم ينشرون احدث ما تقدمه دور النشر العالمية المتخصصة في هذه المجالات وأبرها مَيفح ٌّْهَفب أي العقول النهمة أو ماكجروهيل أو غيرها من أبرز دور النشر العالمية وذلك وفق عقود واتفاقات تحفظ الملكية الفكرية وتحرص على الروح الأساسية للكتاب. مكثت وقتا طويلا استمع للتجربة ولجوانبها المختلفة فوجدتني أمام عائلة طموحة شعرت بواجبها الحقيقي تجاه الأمة فابتعدت عن مشروعات الربح السريع والتقليدي التي تقوم بها أغلبية دور النشر وسعت للتميز وحققته بالفعل خلال اربع سنوات حصلت خلالها لمدة عامين متتالين على جائزة افضل ناشر من اتحاد الناشرين. أخبرني الدكتور خالد انهم ينشرون سنويا الآن مئة كتاب جديد في الوقت الذي تقدم فيه دور النشر الكبرى العالمية ستمئة كتاب تقريبا وأنهم يطمحون للمزيد. مددت يدي الى أحد الرفوف لالتقاط كتاب «ويندوز اكس بي» وهو أحد البرامج التي اطلقتها مايكروسوفت فوجدت دائرة أعلاه كتب عليها أن هذا الكتاب وزع مئة مليون نسخة وذلك خلال أشهر معدودة فسألت الدكتور خالد عن عدد الطبعة العربية فقال ألف نسخة فقط ولم توزع بعد، وكذلك أغلب الكتب، فالقراء في أنحاء العالم يلتهمون كتب الكمبيوتر لكننا في العالم العربي نقضي عدة أشهر وربما عاما كاملا حتى نوزع ألف نسخة من كتاب يوزع مئة مليون نسخة في أماكن أخرى.. كانت هذه اشارة قوية لنعرف موقعنا بين الأمم ولماذا هم يتقدمون ونحن نتأخر؟ لكنها البداية وان كانت متأخرة لكنها متميزة وتدفع الى التفاؤل لا سيما وأن هناك ناشرين آخرين وان كانوا قلة لكن المستقبل حتما سيكون لهؤلاء. ـ كاتب واعلامي مصري