لم تكن القيادتان العراقية والايرانية بحاجة الى استفزاز تهديدي امريكي يصدر ضدهما علناً وفي آن معا لتدركا ان الحكمة وطبيعة الصراع العالمي والسيطرة الصهيونية على آلة القرار الامريكي تقتضي قيام تحالف استراتيجي ثابت بين العراق وايران لمواجهة المستقبل بجبهة موحدة. كلتا الدولتين هدف معتمد وثابت للسياسة الدولية الامريكية اليوم وأمس وغدا بحكم ان كلا منهما قوة اقليمية واعدة في منطقة الشرق الأوسط والخليج تهدد وجود اسرائيل وتشكل تحدياً ماثلاً لتفوقهما كأكبر قوة في المنطقة. ولمدى نصف القرن الأخير ظل المرتكز الأساسي للسياسة الامريكية تجاه العراق وايران هو الحيلولة دون التقائهما على أرضية سياسية واحدة عن طريق اثارة الفتنة بينهما بشتى الأساليب بما في ذلك الاحتراب. وليس من الدقة أو الانصاف ان نقول ان السياسة الامريكية لم تكلل بنجاح، فحرب الخليج الأولى التي دارت بوحشية يندر نظيرها بين الدولتين المسلمتين الجارتين لمدى ثماني سنوات متصلة كانت من حيث اشعال الفتيل وإلهاب حمى الاقتتال كلما خبت تدبيرا امريكيا بالدرجة الأولى. فقد أعلن الرئيس صدام حسين الحرب في عام 1980 مراهناً على وعد سري امريكي عن طريق طرف ثالث بدعم الجانب العراقي عسكريا إذا لم تتمكن القوات العراقية من حسم القتال لصالحها في خلال أسابيع معدودة. وبعد ان دخلت الحرب سنتها السادسة وصار الانتصار العراقي النهائي وشيكاً دخلت الولايات المتحدة على الخط بتزويد الطرف الايراني بصواريخ حديثة وقطع غيار للطائرات الايرانية المقعدة (كان سلاح الجو الايراني حتى ذلك الحين يستخدم أسطول الطائرات الامريكية الصنع الموروثة عن عهد الشاه». وكانت النتيجة النهائية للحرب في عام 1988 متطابقة تماما مع اهداف السيناريو الذي وضعته واشنطن سلفاً: هزيمة مدمرة لكلا الطرفين المتقاتلين كلفت كلا منهما الملايين من البشر وعشرات المليارات من الدولارات. حرب الخليج الثانية التي قادتها الولايات المتحدة ضد العراق في عام 1991 والتي ارتدت به الى عصر القرون الوسطى ربما ما كانت لتشتعل أصلاً لو اتخذت ايران موقفاً مختلفاً، لو أعلنت ايران بحزم وجدية ابان الازمة الخليجية في عام 1990 انها تعارض التدخل العسكري الامريكي في الأزمة وانها سوف تقاومه دون هوادة ربما ترددت واشنطن قبل اتخاذ قرار نهائي بشن الحرب. الآن وبعد 14 عاما من حرب الخليج الأولى و11 عاما من حرب الخليج الثانية يطلق الرئيس الامريكي تهديدا خطيرا ضد الدولتين الشقيقتين معا بعد ان وضعهما في سلة واحدة مع كوريا الشمالية واطلق عليها «محور الشر». فهل كانت كل من بغداد وطهران بحاجة الى مثل هذا التهديد الامريكي؟ ان الشقاق بينهما هو رأسمال نجاح السياسة الامريكية العدوانية تجاههما. كان يكفي القيادتين العراقية والايرانية الاستفادة من التجربتين الدمويتين في عام 1980 وعام 1991 لتخرج كل منهما باستخلاص نهائي بأن العراق وايرن منهزمان بالحتمية أمام الولايات المتحدة طالما استجابت كل منهما لدواعي الشقاق والفتنة وكل ما يدخل ضمن هذا الاطار من مشاكل ثانوية أقل ما يمكن ان يقال عنها انها تافهة. ان عداء الولايات المتحدة لكل من العراق وايران ينطلق من قناعة امريكية ثابتة بأن كلا منهما خطر على مستقبل اسرائيل. ولأنه عداء استراتيجي غير قابل للتغيير فإن نفس هذه القناعة الامريكية يمكن ان تكون أساسا لتحالف استراتيجي مستديم بين العراق وايران: ان تلتقيا في جبهة واحدة في دعم المقاومة الوطنية الفلسطينية ضد اسرائيل المدعومة امريكياً. ولو قامت جبهة استراتيجية ثنائية كهذه فإنها قطعاً سوف تجتذب سوريا ولبنان. وبذلك تنطلق هذه القوة الرباعية الاقليمية لتستقطب تأييد الاتحاد الاوروبي وروسيا والصين من أجل عزل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.