في غياب التعريف الواضح والمحدد، النافي لأي غموض أو التباس كيف يمكن تحديد معالم وحدود وأشكال الإرهاب؟ ثم كيف يمكن التصدي الجذري للظاهرة الإرهابية ؟! رغم بديهية القضية التي يطرحها التساؤلين، فإن تلك البديهية تبدو مغيبة عن عمد من جانب الولايات المتحدة وأوروبا ـ على المستوى الرسمي ـ إذ أن آلاف اللافتات إرتفعت في شوارع الغرب مؤكدة على أن الحرب = الإرهاب، كرد فعل شعبي على قرار بوش بالحرب في أفغانستان، ولم تلتفت الإدارة الأمريكية، أو الحكومات الأوروبية إلى رد فعل الشارع، الذي يمثل نحواً ما الارادة الشعبية أو ـ في أقل تقدير ـ أحد التيارات السائدة، والممثلة لجزء من الرأي العام تم تهميشه عن قصد! وبعيدا عن إشكالية العلاقة بين الحكومات والرأي العام بقطاعاته المتباينة، فإن ثمة نتائج خطيرة ترتبت على غياب التعريف، فيما أطلقت عليه وسائل الاعلام الغربي ـ وجرت العالم خلفها ـ الحرب على الإرهاب، وفي مقدمة تلك لنتائج: الخلط المتعمد بين الإرهاب ـ خاصة إرهاب الدولة ـ والمقاومة الوطنية المشروعة التي هي حق للشعوب المحتلة أراضيها الانتفاضة الفلسطينية أبرز نموذج. ـ تسييد منطق المصالح على أي بعد أخلاقي، أو إنساني يتعلق بضحايا الإرهاب. ـ فرض عجز الأمم المتحدة في تحديد موقف دولي محدد لمواجهة الإرهاب من جذوره، والقضاء على أسباب عولمته بشكل سرطاني. ـ غياب استراتيجية شاملة لمواجهة الإرهاب وغلبة الآليات العسكرية، و تجزئة المواجهة في ظل رؤية أحادية تفرضها واشنطن على المجتمع الدولي! الافتقار إلى البصيرة إذا كانت نتائج غياب تعريف الإرهاب، على هذه الدرجة من الخطورة فلماذا تصر الولايات المتحدة - ومن خلفها دول غربية عديدة ـ على اغفال الصيحات التي إرتفعت مطالبة بعقد مؤتمر دولي لتعريف تلك الظاهرة المتنامية بشكل سرطاني ؟ قد يري البعض أن الإجابة على السؤال شأن أمريكي إلا أن إتفاق العديد من المراقبين والمحللين على أن المقاربة الأمريكية مع ظاهرة الإرهاب تفتقر إلى البصيرة اللازمة لمعالجة أمر بهذه الدرجة من التشعب والتعقيد، يدفع بإتجاه التأكيد على أن التعريف مسألة مركزية، يجب أن تسبق تحديد المواقف ورسم الاستراتيجيات، وأنه من غير المقبول إستمرار الوضع القائم، الذي يستهدف بالأساس تحقيق مصالح الولايات المتحدة، سواء في الخارج بإعادة رسم خريطة العالم بما يحقق الأهداف الأمريكية سياسيا واقتصاديا وعسكريا، أو في الداخل بمحو الآثار الرهيبة التي خلفتها أحداث سبتمبر، واصابت الأسطورة الأمريكية بشروخ شديدة وعميقة لم يسلم منها شخص أو قطاع أو مجال داخل الولايات المتحدة، يؤكد ذلك تسجيل استطلاعات الرأي لحصول الرئيس بوش الابن على وجه من الشعبية غير المسبوقة لرئيس أمريكي، والتفسير المؤكد لذلك هو شن بوش لحملته أو حربه على الإرهاب وتعهده بإستمرارها وتمديدها!! أن النقطة الأخيرة المتعلقة بتفاعلات العلاقة بين بوش وقطاع عريض من الرأي العام الأمريكي، يجب أن تدفع المجتمع الدولي إلى وقفه تستهدف قراءة نذر المستقبل إذا ما إستمرت واشنطن في إصرارها على مواصلة الحرب على الإرهاب، وفق رؤيتها الأحادية الجانب، والتي يمكن أن تقضي على مئات أو آلاف من العناصر الإرهابية ـ بالمعايير الأمريكية ـ إلا أنها لن تقضي على الإرهاب كظاهرة بل ربما تدشن عصر ( الإرهاب الفائق) او (السوبر إرهاب) بحسب ما تنبأ كاتبين أمريكيين هما مارفن سيترون، وأوين ديفيز في كتابهما إرهاب 2000 ـ الوجه المستقبلي للإرهاب إن لم تكن ـ بالفعل ـ قد فتحت الباب على مصراعية لظهور أجيال مختلفة نوعيا من الإرهابيين الذين يستخدمون في عملياتهم أسلحة الدمار الشامل، ويكون العالم ـ على إتساعه ساحة نشاطهم إعتمادا على ثورة المعلومات، ويكون ما حدث في سبتمبر مجرد بروفة متواضعة لموجات أكثر عنفا لـ (إرهاب معولم ما بعد حداثي)! خلل فكري! لاشك أن هناك غير سيترون، وديفيز مئات الخبراء، في عشرات المراكز والمعاهد المتخصصة رصدوا خطورة ظاهرة الإرهاب، وتداعياتها المستقبلية، وما يمكن أن تلقيه من ظلال كئيبة على العالم،ولا يمكن استثناء الولايات المتحدة من ذلك، مما يدعو لدهشة المراقب أو المحلل الذي يحاول البحث عن دوافع وأسباب عدم تجاوب الإدارات الأمريكية ـ وآخرها إدارة بوش - مع الدعوة لعقد مؤتمر دولي لتعريف الإرهاب! من الممكن رد هذا الموقف إلى دوافع من قبيل وجود خلل فكري في التكوين الحضاري الأمريكي ينعكس على عملية صياغة سياستها الخارجية، ويجعلها تعتمد إزدواجية المعايير، وبالتالي فإن موافقتها على التوصل لتعريف للإرهاب ـ من خلال مؤتمر دولي ـ يعني ضمنا ضرورة تغيير سياستها تجاه الكيان الصهيوني العنصري وممارسته لإرهاب الدولة في أبشع صوره، ثم إن الأمر يتجاوز مسألة الخلط بين الإرهاب والمقاومة المشروعة، إلى الحفاظ على المصالح، إذ أن غياب تعريف محدد للإرهاب يجعل من السهولة تغيير المواقف تجاه دولة ما أو جماعة معينة بما يتناسب ومصالح الولايات المتحدة بعيدا عن مرجعية خالية من الإلتباس والغموض تختم - حال وجودها ـ إتخاذ موقف محدد بالإدانة أو برد فعل قوي ردا على الممارسات الإرهابية لتلك الدولة أو هذه الجماعة، ودون ضرب أمثلة بناء التحالف الذي سبق الحرب على أفغانستان شهد نماذج تؤكد تبديل الموقف الأمريكي وفق منهج انتقائي ولا مبدئي! القراءة السريعة قد تدعو لليأس، إلا أن إعادة قراءة الموقف تقود إلى نتيجة مختلفة ـ نسبيا على الأقل ـ فالرئيس بوش نفسه طرح مشروعا لمواجهة الإرهاب بشكل شامل، عبر صراع طويل الأمد، إلا أن المشروع ـ عمليا ـ أقرب إلى شعار منه إلى استراتيجية واضحة، وقد انعكس ذلك على العلاقة بين أطراف التحالف الدولي ذاته سواء بالنسبة لما يتعلق بالخطوة ـ أو الخطوات ـ التالية الواجب عملها سواء في أفغانستان أو تجاه أي دولة أو جماعة أخري، ولعل غياب تعريف للإرهاب بمثابة الإشكالية الأكثر بروزا فيما يتعلق بالطموح الأمريكي في مواصلة مشروع المواجهة الشاملة والطويلة للإرهاب، إذ من المنطقي ـ في غياب التعريف ـ أن يتساءل هذا الطرف أو ذاك: أي إرهاب تقصد واشنطن ؟ ولماذا تصر على إزدواجية المعايير ؟ بل والاكثر أن يتساءل البعض: هل صدفة أن تكون كل المحطات المتوقعة للمشروع دول إسلامية أو جماعات تنتمي للإسلام؟! وحتى إذ تغاضي البعض عن التساؤل الأخير، فإنه لايمكن التغاضي عن إمكانية شن حملة في إطار الحرب على الإرهاب دون أدله، بينما تتوافر أدلة الإدانة لآخرين، ولكن مشروع بوش يغض البصر عنهم! لعل طرح الموقف على هذا النحو يساهم في إنهاء الوضع المقلوب السائد منذ أحداث سبتمبر، والذي يضع العربة أمام الحصان، أو يصر على تحديد العلاج قبل تشخيص المرض على نحو دقيق! إذ أن المنطق البسيط يفرض أسبقية تحديد تعريف شامل وواضح للإرهاب قبل المطالبة بتحديد المواقف ورسم الاستراتيجيات. خلط الأوراق وإلى حد بعيد، فإن المدخل إلى الرأي العام الدولي ـ عموما ـ والغربي ـ على وجه الخصوص ـ يمكن أن يصوغ رؤيته تأسيسا على بديهيات وحقائق لايمكن لعاقل ـ أو حتى نصف عاقل ـ أن يرفضها، بداية من كون التعريف لظاهرة الإرهاب مسألة مركزية، ومن المنطقي تماما تحديد تعريف الإرهاب قبل مطالبة أي طرف تجديد موقفه من مشروع بوش أو غيره، وقبل الإضطلاع بدور لتنفيذ استراتيجية، قد تكون في مراحلها الأولى مقبولة، إلا أنه في غياب الوضوح، تكون المراحل التالية غير محققه للغايات الجماعية لكل الأطراف المشاركة، وربما كان التذكير بالموقف الأمريكي في بداية الحمله على الإرهاب يؤكد ما تذهب إليه، فقد ربطت الإدارة الأمريكية بين حل القضية الفلسطينية، وطلب تأييد القوي العربية والإسلامية للحرب على الإرهاب، وقطعت عهدا مبدئيا بتكريس جانب من إهتمامها لحل جوهر الصراع العربي الإسرائيلي على أساس الشرعية الدولية، إلا أنه بمجرد التقدم عدة خطوات في إتجاه تحقيق الأهداف الأمريكية الخالصة تنكرت إدارة بوش لعهدها، بل والأكثر أنها عادت ـ بأكثر مما كانت عليه ـ في توجيه الإتهام للإنتفاضة الفلسطينية بأنها شكل من أشكال الإرهاب، بينما عدوان شارون على المدنيين ومنهم أطفال ونساء دفاع عن النفس! مثال آخر يتمثل في الإنقلاب على باكستان والتلميح بأنها تتستر على جماعات إرهابية، وبالتالي يمكن أن تكون هدفا قادما للحرب على الإرهاب، ثم اعادة أو التلويح باعادة فتح الملف العراقي،وتوجيه ضربات جديدة هكذا، فإنه في غياب التعريف أصبح على العرب والمسلمين أن يواجهوا عواقب وخيمة، بدلا من أن يجنوا الثمار! من ثم فإنه أصبح من الحتمي أن يصر العالمان العربي والإسلامي على ضرورة أن يتحمل المجتمع الدولي مسئولياته، وأن يتحرك ـ ضاغطا ـ على الولايات المتحدة وأوروبا للإعداد لمؤتمر دولي يحدد تعريفا للإرهاب يضع حدا للتمادي الغربي في خلط الأوراق بين الإرهاب والمقاومة المشروعة، والإصرار على استثناء إرهاب الدولة لاسيما النموذج الإسرائيلي الصاروخ من أي مواجهة حقيقية في إطار استراتيجية تستهدف الحرب على الإرهاب. المطلوب ضغط عربي / إسلامي متواصل لعقد المؤتمر الدولي لتعريف الإرهاب، قبل أن تسقط أقطار عربية أو إسلامية أخرى ضحية له، ولاشك أن الجهد المطلوب لن يبدأ من نقطة الصفر، لأن العديد من وثائق الأمم المتحدة تتضمن تفرقة حاسمة بين الإرهاب، والمقاومة المشروعة تحقيقا لمبدأ حق تقرير المصير، غير أن معظم هذه الوثائق أقرب إلى التوصيات ذات القيمة المعنوية منها إلى القرارات الملزمة، لكنها في كل الأحوال، وعبر المؤتمر المأمول، يمكن أن تصبح قرارات لها قيمة الزامية كاملة، بعد أن تؤدي دورها في ضبط وترشيد النقاش بشأن تعريف الإرهاب. أن التحرك لوضع المجتمع الدولي لعقد مؤتمر تعريف الإرهاب، امر لا يقبل التأجيل أكثر مما حدث، وإلا فإن العواقب الوخيمة ستطال الجميع ودون استثناء. ـ كاتب مصري