يقولون إن المدن مثل النساء يتسلل بعضها إلى القلب فيأسره، وتنفر النفس من بعضها فلا يجد له إلى القلب منفذاً. والمدن ذاكرة المكان.. في أزمتها الضيقة ـ حتى وهي خالية ـ يعلو صخب الحياة وترتفع أصوات الرائحين والغادين.. ومن حاراتها ـ وإن صغُرت ـ تتفتح بوابات واسعة على أفنية الذكريات.. تحاول أن تضخ مزيداً من الزيت في قناديل البحث عن التفاصيل الصغيرة لرحلة الإيغال في دروب الحياة، حيث الأقدام التي بالكاد تعلمت المشي تخطو خطواتها الأولى خارج محيط البيت الذي ولدت فيه أو طرقت أبواب الدنيا على عتبة باب حجرة من حجراته.. تبحث عن خطوط لم يعد لها وجود على مساحات من الأرض مرت عليها آلاف الأقدام.. ومسحتها عشرات الجرافات.. وأزيلت من على وجهها بيوت كانت وستبقى عزيزة.. في أركانها تشكلت أجمل الرؤى.. وعلى وسائد أسرتها سافر طائر الأحلام باحثاً عن نفائس المنى.. تعود إليها وقد غابت عنها وجوه تنسّمت معها عبير الحياة.. طوى بعضها الردى.. وأغرت بعضها الآخر مدن جديدة كانت ذات يوم صحارى قاحلة ومناطق نائية لا حياة فيها.. وشد بعضها الرحال إلى مدن بعيدة أصبحت لها محطة ثانية من محطات الحياة ذات الحل والترحل التي لا تبقى على حال. تلك هي مدن الولادة والمنشأ.. مدن الصرخة الأولى والضحكة الأولى والخطوة الأولى والكبوة الأولى والنظرة الأولى والخفقة الأولى والهمسة الأولى والفرحة الأولى والصدمة الأولى والكلمة الأولى والفاصلة الأولى والنقطة الأولى وعلامة الاستفهام الأولى، وتلك الألف الشامخة فوق نقطة تعبيراً عن الدهشة الأولى.. وكل ما بدأ بالهمزة وانتهى بالألف المقصورة. هناك مدن أخرى لا تملك إلاّ أن تنجذب لها وتقع في هواها من نظرة خاطفة أو زيارة عابرة أو قراءة أولى تبقى في الذاكرة، فتحجز لها مكاناً أثيراً في القلب وتختزن منها حصيلة ثرة في الوجدان. من المدن الأثيرة التي حفرت لها مكاناً في القلب وكان لها ارتباط لا ينفك بمرحلة النشأة الأولى كانت «الكويت» المدينة والبلد.. لماذا وهي التي لم يرها البعض منا ورآها البعض الآخر في مرحلة متأخرة من العمر؟ لقد ارتبطت الكويت بمرحلة الطفولة من عمر أبناء جيلي، وكان اسمها حاضراً منذ تلك السن في حياتنا نحن أبناء الإمارات خلال فترة الستينيات من القرن العشرين، عندما كانت مظاهر الحياة بالكاد تقتصر على المتطلبات الضرورية وتحتاج إلى الكثير من البنى التحتية والخدمات في بلد يتطلع إلى الوثوب نحو النهضة والتقدم للحاق بركب الشعوب التي سبقته إلى كل ذلك. وقتها كانت الكويت قد سبقت شقيقاتها من بلدان الخليج في كثير من المجالات لا سيما التعليم والصحة. ولم يكن متوقعاً من الكويت ـ لما عُرف عنها ـ أن تقف موقف المتفرج وأن تنتظر حتى تلحق بها شقيقاتها دون أن يكون لها دور في ذلك أو يد فيه، ولذلك بادر الرجال الذين هيأ الله لمسيرة النهضة في الكويت أن يقودوها في تلك الفترة الى المساهمة في حركة التغيير التي كانت تحدث على أرض الإمارات قبل قيام الدولة وفي المراحل الأولى منها، وكان في مقدمة أولئك أميرها المغفور له الشيخ عبدالله السالم الصباح رحمه الله.. ولذلك فإننا نحن الذين تعلمنا في مدارس تلك الأيام النظامية لا تزال ترتبط بعقولنا ووجداننا مناهج التعليم الكويتية التي كنا ندرسها، وما زالت صورة أمير الكويت على الدفاتر، وشعار الكويت على الكتب التي كانت توزع علينا ماثلة أمام أعيننا، تذكرنا بفضل الكويت على مسيرة التعليم في بلدنا ودورها المتميز فيها، وما زالت صور المسئولين في مكتب الكويت في دبي وهم يزورون المدارس متفقدين متلمسين لاحتياجاتها مطبوعة في أذهاننا. أما مستشفى الكويت في البراحة بدبي ومستشفيات الكويت التي أقيمت في بعض الإمارات الأخرى فقد كانت من أوائل المستشفيات التي قدمت خدماتها الصحية لأبناء الإمارات في زمن كان التعليم والصحة فيه ضرورتين من ضرورات الحياة، وأهم الخدمات التي يحتاجها مجتمع يُحارب التخلّف ويتطلّع إلى النهضة والتقدم والخروج من بوتقة الماضي الموسوم بشظف العيش وصعوبة الحياة. ولو لم يكن للكويت سوى هاتين اليدين على أبناء الإمارات لكفاها ذلك، ولكن أيادي الكويت كانت كثيرة تستعصي على الحصر، وكان الإعلام أحد مجالاتها عندما أنشأت تلفزيون الكويت من دبي في أواخر الستينيات، واستقدمت له خيرة أبنائها من فنيين وبرامجيين ليكون نافذة يطل من خلالها أبناء الإمارات على أخبار العالم وثقافاته وفنونه، ثم اختارت من شباب البلد مجموعة انتدبتهم في دورات تدريبية الى تلفزيون الكويت ليعودوا إلى الإمارات مكونين النواة الأولى من جيل التلفزيونيين الأوائل الذين كانت لهم الريادة في اقتحام هذا الميدان الجديد، والذين أضفوا على الشاشة في تلك الفترة هوية البلد ورائحة أهله اللتين نفتقدهما اليوم بعد أكثر من ثلاثين عاماً لم نستطع عبرها أن نترسّم تلك الخطى وأن ندفع بالمزيد من شباب الوطن إلى واجهة الإعلام المرئي الذي غزته كل اللهجات وتراجعت فيه لهجة أهل البلد واختفت سحنتهم ففقد هويته. وعندما تعرضت الكويت التي أحببنا لتلك الطعنة الغادرة من الجار أحسسنا جميعاً بأن الخنجر قد انغرس في صدورنا كلنا ووصل النصل منه إلى القلب، واننا قد أصبحنا جميعاً أسرى يسوقنا للحتف ظالم لم يرع حق الأخوّة والجيرة والدم العربي عندما قابل الإحسان بالغدر، ونالت الكويت على يده ما لم تنله بلد على يد محتل من قتل وتدمير ونهب وحرق للثروات بدافع الحقد والطمع، يقوده عقل مريض أعماه جنون العظمة فأفقده الرؤية السليمة، ولذلك فإن وقفة أبناء الإمارات مع أهلهم وإخوانهم في الكويت لم تكن انتصاراً للحق فقط أو رداً للجميل بقدر ما كانت دفاعاً عن النفس والكيان، وعن ذكريات الطفولة التي سطّرت الكويت منها صفحات لا تُمحى، وعن قلم الرصاص الذي كتبنا به أولى حروف الهجاء، والكراسة التي خططنا فيها أولى الكلمات التي تعلمناها على مقاعد الدراسة، وعن علبة الدواء التي خففت عنا ألماً ذات يوم في زمن شحيح الإمكانات، وعن جرعة التطعيم التي أخذناها صغاراً من يد طبيب أرسلته الكويت فمنعت عنا وباءً متوقعاً، وعن الصدق والجمال والأخوّة والشيم العربية الأصيلة والمبادئ الإسلامية السامية وكل القيم الإنسانية العليا التي أهدرت في لحظة طمع وعمى جامح. أعود إلى الكويت التي تتعافى من جرحها الغائر اليوم لأفتح رسالة مازلت أحتفظ بها، خطّتها يد طفلة كويتية في سن البراءة وسلمتها لي ذات مساء في حفل عشاء أقيم في الكويت على شرف المشاركين في ملتقى الصحافة الخليجية الأول عام 1999.. لعلها قد توسمت في شخصي الضعيف القدرة على إيصالها فحمّلتني تلك الأمانة. تقول الرسالة التي تقطر ألماً وأملاً: «بسم الله الرحمن الرحيم. إلى أبي الغالي: أتمنى لك أن ترجع من أسرك، وأنا صار عمري 9 سنوات، وأنا بصف 4 ابتدائي، وأنا لم أرك طول عمري، وسوف أراك. بنت الأسير غدير منذر نعمان السيف». معذرة يا صغيرتي إذا كنت لم أتمكن من إيصال رسالتك إلى والدك الأسير، ولكنها وصلت بالتأكيد إلى أعماق القلب وإلى كل القلوب التي أحبّت الخير فأحبّت الكويت، أما تلك التي قُدّت من حجر فهي خارج الخطاب وخارج منظومة البشر، تنعق وحدها لأنها لا تطيق سماع تغريد البلابل أمثالك، فلتذهب غير مأسوف عليها، وليبق الحب والجمال والخير، وليسلم الوطن عنواناً للمجد.