الرئيس الأمريكي جورج بوش لا يترك الآن فرصة للحديث إلا وأعرب فيها عن خيبة أمله في الرئيس عرفات والسلطة الفلسطينية وتحميلهم مسئولية الوضع الخطير في الأرض الفلسطينية المحتلة وفي الشرق الأوسط كله. خيبة الأمل الأمريكية يعزوها الرئيس الأمريكي وأركان إدارته في تصريحات بلغت أحيانا حد الوقاحة إلى أسباب رئيسية أهمها: أن عرفات قد أضاع فرصة ذهبية لإقرار السلام وقيام الدولة الفلسطينية برفضه المقترحات التي تقدم بها الرئيس الأمريكي السابق كلينتون في كامب ديفيد، ثم بإشعال الانتفاضة الثانية التي أجهزت على الفرصة التاريخية كما ترى واشنطن. وأن عرفات لا يقوم بجهود كافية لمحاربة (الإرهاب) والقضاء عليه بنسبة 100% وهو شرط أساسي وضعه شارون لاعطاء عرفات شهادة صلاحية التفاوض معه، ووضعته واشنطن لكي تعود لمواصلة جهودها من أجل التفاوض على تطبيق اتفاقات ميتشل وخطة تينيت من أجل استعادة الهدوء في المناطق المحتلة. لائحة اتهام أمريكية وأخيرا جاءت قضية سفينة الأسلحة لتضع العلاقات بين أمريكا وعرفات على شفا الهاوية، بعد أن اتخذت الإدارة الأمريكية موقفا مؤيدا للمزاعم الإسرائيلية حول تورط عرفات وتوالت الاتهامات من الرئيس الأمريكي ونائبه وباقي المسئولين الأمريكيين تتهم عرفات بالكذب والمشاركة في الإرهاب وتؤكد على إنهاء دوره بعد أن خاب أمل أمريكا فيه. وللرئيس عرفات بلاشك أخطاؤه السياسية العديدة سواء قبل أو بعد عودته للأرض الفلسطينية وعند السلطة الفلسطينية من المآخذ ما يملأ صفحات وصفحات. ولكن ما يشفع لعرفات وللسلطة هو بالضبط ما تعتبره أمريكا لائحة اتهام.. هي في حقيقة الأمر اتهام لأمريكا نفسها! فليس هناك أكذب من الإدارة الأمريكية حين تزعم أن عرفات قد أضاع فرصة تاريخية حين رفض ما عرض عليه في كامب ديفيد.. فمهما كانت مرونة عرفات. ومهما كان كرمه في تقديم التنازلات فإنه لم يكن يستطيع أن يقبل ما عرض عليه في مسرحية كامب ديفيد التي صممت خصيصا في محاولة لإنقاذ باراك وتمرير صفقة هزلية حاولوا تسويقها تحت زعم أنها تتضمن إعادة 95% من الضفة وكل غزة تقريبا ولم يكن هذا صحيحا بالتأكيد، فما عرض هو أقل من ثلاثة أرباع الضفة في (كانتونات) محاصرة ومجزأة، ومع بقاء معظم المستوطنات، ودولة فلسطينية كاريكاتورية لا تملك من أمرها شيئا،وليس لها سيطرة على حدودها ولا أجوائها ولا مياهها الإقليمية، مقطوعة الصلة بالعالم العربي مع السيطرة الإسرائيلية الكاملة على القدس واقتسام المسجد الأقصى، وإهدار حق العودة لملايين اللاجئين الفلسطينيين. وليس هناك أبشع من اعتبار المقاومة الوطنية الفلسطينية إرهابا، وإهدار كل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، ثم مطالبة عرفات بأن يقوم بتصفية هذه المنظمات واعتقال من لم تستطع إسرائيل قتلهم أو اغتيالهم من رجال المقاومة. ومع عدم شرعية المطالب، واستحالة تنفيذها على الأرض، فقد رضخ عرفات وأنهى الانتفاضة، وبدأ في حصار منظمات المقاومة واعتقال بعض رجالها كبادرة توهم أنها قد ترضي الأمريكيين وتحقق شروط شارون وتمهد الطريق لوقف النار وإنهاء الحصار وحرب التجويع المفروضة على الفلسطينيين.. ولكن الرد على كل ذلك كان بوضع المزيد من الشروط وإعطاء شارون تأييد واشنطن الكامل ليواصل حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني وإذلال عرفات وحصاره داخل مقره باعتباره شريكا في الإرهاب لأنه ـ كما ترى واشنطن ـ لا يبذل كامل جهده للقضاء على منظمات المقاومة التي صنفتها واشنطن ضمن المنظمات الإرهابية. تزييف الحقائق أما قصة سفينة الأسلحة فتمثل قمة تزييف الحقائق وسياسة وغطرسة القوة التي يراد لها أن تحكم كل التطورات في المنطقة وفي العالم كله. وبغض النظر عن إنكار الرئيس الفلسطيني والسلطة الوطنية الفلسطينية أي علاقة لهما بالعملية، فإن ما يريده شارون يتم فرضه على البيت الأبيض،وما يريده البيت الأبيض يتم فرضه على الجميع. وهكذا يلجأ عرفات لاعتقال البعض والتحقيق في القضية بينما تتوالى عليه الإتهامات الأمريكية من الرئيس الأمريكي ونائبه وإدارته لعرفات (الكاذب) و(الإرهابي) الذي خاب فيه أمل الرئيس الأمريكي. كان الله في عونه. وفي وسط هذه الضجة المفتعلة تضيع حقائق أساسية من قصة السفينة المزعومة.. فلا يقول أحد من الذي أعطى حكومة السفاحين الإسرائيليين حق القرصنة واعتراض السفن في المياه الإقليمية! ولا يلتفت أحد للسؤال حول كيف ستمر هذه السفينة إلى داخل الأرض الفلسطينية المحتلة وكيف ستصل إلى عرفات المحاصر داخل مقره، ولا يقف أحد أمام السؤال الآخر حول مدى الخطر الذي تمثله بضع مئات من البنادق ـ حتى إذا تم تهريبها ـ على جيش يملك أحدث ما في ترسانة الأسلحة الأمريكية، ولا يكتفي بالأسلحة التقليدية فيبني قوته من الأسلحة النووية والكيماوية والجرثومية بدعم أمريكا وتمويلها. إن أحد أهداف الضجة المفتعلة حول السفينة المزعومة هو محاولة توريط إيران وحزب الله، ولكن واشنطن حين تتبنى القضية وتنحاز للقصة الإسرائيلية لا تقول لنا ما هو الخطأ الذي ارتكبه عرفات والسلطة التنفيذية إذا ما كانا بالفعل متورطين في القصة؟ وهل المطلوب أن يقوم عرفات بتجريد شعبه من الأسلحة بينما قوات شارون تقتل وتذبح وتغتال وتدمر المنازل وتقاتل حتى الأشجار؟ وأي منطق هذا الذي يطالب الخاضعين للاحتلال بأن يقدموا الشكر لمن يحتلونهم،ويطالب الضحايا بأن يمتنعوا عن إزعاج قاتليهم؟! إن الرئيس بوش يتحدث عن (خيبة أمله) في عرفات، وكأنه قد منح عرفات الفرصة فبددها، أو أعطى للفلسطينيين الحل العادل فرفضوه، أو ضغط على السفاحين الذين يحتلون فلسطين ليوقفوا ممارستهم النازية. ولو كان الرئيس الأمريكي منصفا لبلاده وللحقيقة، لادرك أن (خيبة الأمل) الحقيقية كانت من نصيب الفلسطينيين والعرب الذين هللوا لنجاحه في الإنتخابات ورئاسته لأمريكا باعتباره الأقل انحيازا لإسرائيل من منافسه، والأقرب لفهم الواقع العربي بحكم تاريخ الحزب الجمهوري في التعامل مع مشاكله منذ عهد الرئيس ايزنهاور الذي مازلنا نذكر موقفه ضد العدوان الثلاثي على مصر عام 56، وبحكم العلاقات الوثيقة التي تربط الرئيس الجديد ونائبه وبعض أبرز معاونيه بشركات البترول الأمريكية الكبرى التي تحتفظ بعلاقات وثيقة في المنطقة ورؤية أكثر وضوحا للمصالح الأمريكية فيها لكن الرئيس الأمريكي الذي كادت الدوائر الصهيونية أن تسقطه في الإنتخابات أدرك الدرس جيدا، ولعل الأزمة التي عطلت إعلان فوزه لما يقرب من شهر لم تنته إلا بصفقة ظهرت آثارها بعد ذلك في موقف أشد انحيازا لإسرائيل من كل ما عرفناه من مواقف للإدارات الأمريكية المتعاقبة، وبتبن كامل لأطروحات السفاح شارون التي يعارضها حتى جزء من الإسرائيليين أنفسهم، وبرفض كامل للتعامل مع عرفات والسلطة الفلسطينية وتحميلها مسئولية تفجر الموقف واشتعال الانتفاضة.. وكانت خيبة أولى للآمال العربية في الرئيس الأمريكي. ثم جاءت أحداث 11 سبتمبر لتوفر للرئيس بوش وإدارته فرصة للمراجعة بعد أن اكتشفت أمريكا مقدار العداء لسياساتها في الشرق والغرب وبدأت تطرح على نفسها السؤال الكبير: لماذا يكرهنا هذا العالم؟ وبدا أن الوضع يتحرك نحو موقف أمريكي أكثر اعتدالا مع بدء الجهود الأمريكية لبناء (التحالف) فيما أسمته واشنطن (الحرب ضد الإرهاب). وكان وجود الدول العربية والإسلامية داخل التحالف ضروريا، وقد تحقق ذلك حتى والكل لا يعرف إلى أين تقودهم واشنطن التي رفضت أن تحدد خطواتها ولا أن تضع تعريفا محددا لما تسميه (الإرهاب). خريطة جديدة للمنطقة ورغم ذلك فقد ترك الرئيس الأمريكي الموقف مفتوحا على بعض التحسن عندما تحدث عن (رؤية) أمريكية لدولة فلسطينية تكون هي نهاية المطاف للمباحثات التي ستدور بين أطراف النزاع، ولكنه رفض أن يضع أي تفاصيل لهذه (الرؤية) التي تأكد في النهاية أن الحديث عنها لم يكن إلا سبيلا لتمرير الضربة الأمريكية لافغانستان وإبقاء العرب في وضع هادئ. لكن النجاح السريع لأمريكا في أفغانستان لم يترك المجال للآمال العربية في (الرؤية) الأمريكية الجديدة تجاه فلسطين. وانتهى الوضع لموقف أمريكي يتبنى بالكامل أطروحات شارون ويدعم بالكامل موقفه ويعتبر كل ما تقوم به إسرائيل من مذابح في فلسطين هو دفاع مشروع عن النفس ضد العدوان الذي يقوم به الفلسطينيون الذين أصبحوا وسط خيبة أمل عربية جديدة في الموقف الأمريكي يتهمون بالإرهاب. ولا تقف خيبة الأمل العربية عند حد فالإدارة الأمريكية التي رفضت منذ بداية الأزمة بعد أحداث 11 سبتمبر أن تتعهد بعدم ضرب أي بلد عربي، تستعد الآن لضربة قادمة تجعل فيها العراق على أغلب الظن هو الهدف الثاني بعد أفغانستان وحديث الرئيس الأمريكي الأخير الذي وضع فيه العراق مع إيران وكوريا ضمن الدول الداعمة للإرهاب يضع النهاية لصراع قيل إنه يدور منذ سبتمبر داخل الإدارة الأمريكية بين دعاة ضرب العراق ومعارضيه. والقرار الأمريكي الذي أكده الرئيس بوش لم يكن غائبا عن بعض العواصم العربية الرئيسية، ولعله كان وراء التحرك المهم لأمين الجامعة العربية عمرو موسى واستجابة بغداد لجهود الوساطة التي اصطدمت بموقف كويتي متشدد نرجو ألا يكون نهائيا. فالخطر شديد وقريب ولن يكون ضرب العراق إلا خطوة منه فالمطلوب خريطة جديدة للمنطقة تضعها أمريكا لصالحها وحدها وتدفع ثمنها بالكامل الأمة العربية ولعل أول من سيدفعون الثمن هم الذين يغضون الطرف الآن عن التهديدات الأمريكية أو الذين يدعون صراحة إلى (أفغنة العراق) وكأنها الحل السحري لمشاكلهم. ومن خيبة أمل إلى أخرى تمضي المنطقة على طريق الخطر. ولن يكون الانقاذ في (التوسل) لأمريكا كما يقترح البعض وإلا لتحول الجميع إلى متسولين على باب البيت الأبيض! ولن يكون الحل في استسلام عرفات أو ضرب العراق كما تتوهم أمريكا بتأثير اللوبي الصهيوني، ولن يكون الحل أن يوضع مصير المنطقة في يد سفاح مثل شارون تمنحه أمريكا ثقتها ودعمها ثم تأمل في استمرار مصالحها في المنطقة وهي تدوس على كرامة العرب وتحاول ـ بكل الطرق ـ إذلالهم. الحل أن يعود الوعي الغائب للعرب فيدركون أن بيدهم أوراقا يستطيعون استخدامها لو امتلكوا الإرادة، وأنهم ـ رغم كل الظروف ـ قادرون على وقف التردي حين تدرك الأطراف الأخرى ـ وفي مقدمتها أمريكا ـ أنه من المستحيل أن تهدر كل الحقوق وتدوس كل المصالح العربية ثم تضمن أن تكون مصالحها هي بخير مهما كان الخلل في موازين القوى فالقوة حين تستخدم في غير موقعها تتحول إلى حماقة ـ والحماقة حين تتكرر تتحول إلى جنون، وجنون القوة قد يقود إلى النجاح في معركة ولكنه لن يكسب الحرب في النهاية. ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية