في وقت تحجرت فيه القلوب وتكلست فيه المشاعر، وفي أيام أصبحنا فيها كألواح الثلج في برودتها وقسوتها وتحولت غالبيتنا إلى أصفار غير ذات قيمة ولا حساب خرجت علينا الاستشهادية وفاء إدريس لتهزنا بعنف، علّنا نصحو مما نحن فيه من نوم مرضي، وأقدمت على عمل بطولي تذوب معه ألواح الثلج خجلاً. لم تعد طالبة الطب أو متطوعة الهلال الأحمر ابنة مخيم الأمعري تحتمل ما كان يمر تحت عينيها وتلامسه يداها من عشرات الاصابات القاتلة والأشلاء الممزقة، ولم يعد يكفيها كفكفة الدموع عن عيون الأطفال وتقديم الاسعافات للعجائز، انفجرت داخلها مشاعر الغضب المر، فأبت إلا ان يكون الانفجار مدوياً يزلزل الأرض من تحت أقدام الصهاينة الذين باتوا لا يدرون من أين تأتيهم المنية، ويهدم أي امكانية لتحقيق الأمن للاسرائيليين. ان وفاء إدريس هي ابنة جيل المحنة، نبتت بين قلوب تخترقها آلاف السكاكين ولا أحد يمنع المجرم أو حتى يضمد الجراح، وحدهم هناك أهلنا في فلسطين يتألمون.. يحترقون بالنيران، تسيل دماؤهم ساخنة بينما نحن جميعاً نتفرج ومعنا عالم أظلم فيه الفكر وتشوهت فيه الروح، عالم يترك الطفل ينام على حجر بارد، عالم فقد البصر راغباً حتى لا يرى ما في عيون الأطفال والنساء من معاناة وألم. لقد شكلت العملية الاستشهادية تطوراً لافتاً في تاريخ الانتفاضة التي انطلقت شرارتها منذ 16 شهراً، وظلت جذوتها مستعرة رغم كل المياه الباردة التي تتكالب أطراف لسكبها عليها، ونجحت وفاء ادريس ان تحمل فضل السبق وان تسطر اسمها بأحرف من نور في تاريخ النضال الفلسطيني العربي كأول امرأة تفتح أبواب الاستشهاد النسائي، وتتجاوز بعملها بطولات سجلتها نساء أخريات في معارك كان الموت فيها احتمالاً قائماً، بينما هي ذهبت في رحلة لها نهاية حتمية واحدة. ولن تكون وفاء حالة استثنائية فهي ابنة مجتمع تتفاعل فيه عوامل التهاب يكتوي بها افراد المجتمع جميعاً ويتحوّلون معها الى كرات من اللهب تتطاير في وجه الاسرائيليين الذين لن يكتب لهم أمن أو أمان ما دام الفلسطينيون محرومين منهما. ان ما حدث يجب ان يشعل الغيرة في قلوبنا ويدفعنا الى الدفاع عن شرف أمة تعيش أحلك لحظاتها ويتعرض رموزها لهجمة شرسة يخشى معها أن يتهم صلاح الدين بأنه مارق وإرهابي. ولن يكفينا أن نقيم نصباً تذكارياً لتخليد بطولة وفاء ادريس أو أن نحصر تضحيتها في لوحة معدنية تحمل اسمها على رأس شارع منزوٍ، بل يجب أن تحرك فينا العملية كل ساكن، ويتيقن الاسرائيليون ان عملية شارع يافا بالقدس الغربية لن تكون أبداً الأخيرة، فالحصار الخانق والقتل والتدمير الذي تغطيه هستيريا أمريكية تتجلى في لغة الادارة الأمريكية ولهجتها، كل ذلك يولد جحافل جنودها يتوزعون بين رغبة في الشهادة ويأس من أي نصرة من العالم وأمل في غد أفضل حتى لو كان بعيداً. عندها تستوي الحياة مع الموت وتصبح كل تضحية هينة من أجل الأقصى السليب الذي يستحق من الجميع ـ رجلاً كان أو امرأة صبياً كان أم فتاة تقديم كل غال ورخيص، وما قدمته وفاء إديس خطوة على الطريق.