مزيج التهويل السمج مع الكذب الصريح هو الاسلوب العام الذي صيغ به الخطاب السنوي للرئيس بوش الاسبوع الماضي، وهو اسلوب يلجأ اليه تقليديا الزعماء الذين يتبنون اهدافا غير مقنعة وغير اخلاقية فيضطرون في مخاطبة شعوبهم أو مخاطبة العالم الى النضج في حقائق واقعة او ابتكار «حقائق» مع بث عبارات الاستجداء الرخيص لعواطف جماهيرهم. ما كان من الممكن ان يقول الرئيس بوش لشعبه وللعالم ان الهدف من تحامله على العراق وايران وكوريا الشمالية (التي تمد ايران بالصواريخ طويلة المدى) هو في الحقيقة دعم الطغيان الاسرائيلي الاستعماري في منطقة الشرق الاوسط لاسترقاق العرب والمسلمين او ان هدفه من اشعال حمى هسيترية عالمية بدق طبول الحرب باسم مكافحة الارهاب هو في الحقيقة تمكين كبرى شركات انتاج السلاح الامريكية من تشغيل مصانعها الى الحد الاقصى من اجل تعظيم ارباحها اضعافا مضاعفة. فكيف يستقيم ان يقول رئيس الدولة العظمى لشعبه انه ليس سوى مدير علاقات عامة للدولة الاسرائيلية ومندوب مبيعات لشركات السلاح الامريكية؟ من هنا كان اللجوء المنطقي للرئيس الامريكي الى اسلوب التهويل تارة والكذب تارة اخرى. يقول بوش ان العراق «يستمر في ابداء عدائه لامريكا ويدعم الارهاب» وان «النظام العراقي يتآمر منذ اكثر من عشر سنوات لتطوير جراثيم الجمرة الخبيثة وغاز القتال واسلحة نووية». ومن جانبنا نتساءل: هل بقى للعراق حتى ما يدافع به عن نفسه من اسلحة تقليدية بعد 11 عاما من التدمير المنظم باسم الشرعية الدولية؟ واذا صدقنا ان العراق يمتلك اسلحة دمار شامل، فهل هناك من يملك مثل هذه الاسلحة سوى بضع دول افريقية؟ لماذا لا يتحدث بوش عن الدول الاوروبية وروسيا والهند وباكستان؟ ولماذا لا يتحدث عن اسرائيل؟ ولماذا يغفل بلاده، الولايات المتحدة نفسها التي ترفض حتى الآن التوقيع على المعاهدة الدولية لحظر اسلحة الدمار الشامل؟ ونمضي في التساؤل: هل العراق هو الذي يتحرش بأمريكا، كما يقول بوش، ام ان العكس هو الصحيح؟ فمن يعتزم شن غزو ضد الآخر؟ ومن يدعم معارضة ويحرضها ضد الآخر؟ واذا كان خطاب بوش قد كرس نصفه لاستعداء الشعب الامريكي والعالم ضد العراق وايران وكوريا الشمالية فإن النصف الآخر خصص للاثارة الهستيرية لتصعيد حمى التوتر والحرب داخل الولايات المتحدة وحول العالم. بنبرة دراماتيكية لكنها مفتعلة صاح بوش: «ان عشرات الآلاف من الارهابيين المدربين على القتل بكل الطرق، وغالبا ما تدعمهم انظمة خارجة على القانون، ينتشرون الآن في العالم كما لو انهم قنابل موقوتة جاهزة للانفجار بلا انذار». وانطلاقا من هذه الصيحة الدراماتيكية دعا بوش الشعب الامريكي الى «اليقظة» تحسبا من الضربات المقبلة من «عالم الارهاب القائم تحت الارض». ثم يخلص بعد ذلك الى القول ان بعض الحكومات «ستكون ضعيفة امام الارهاب. لكن لا تخطئوا: اذا لم تتحرك فإن امريكا ستتحرك». وعند هذه الذروة طلب الرئيس من الكونجرس الموافقة على الاموال اللازمة: 379 مليار دولار بالتمام والكمال لميزانية «الدفاع»، بالطبع يعلم كل عضو في الكونجرس بقدر ما يعلم جورج بوش نفسه ان هذه المبالغ الاسطورية سوف تتوزعها كبرى شركات صناعة السلاح الامريكية عن طريق طلبيات الطائرات والصواريخ والدبابات الخ .. التي سوف يتقدم بها جنرالات البنتاجون وبالطبع لا ينتظر ان تكون هناك معارضة.. فغالبية اعضاء الكونجرس مثلهم مثل اعضاء الادارة الامريكية وكلاء مأجورون لشركات السلاح وغيرها. ولن يقوى احد حتى خارج الكونجرس على ابداء احتجاج او انتقاد خشية ان تطبق عليه قوانين ما بعد 11 سبتمبر التي تخول لاجهزة الامن والاستخبارات الداخلية اعتقال من ترى اعتقاله واحتجازه دون محاكمة؟ فالولايات المتحدة صارت تمثل بعد احداث سبتمبر خطرا مرعبا ليس على العالم الخارجي فحسب بل على شعبها ايضا.