سؤال لابد انه خطر على ذهن كل مسئول امريكي، ولكن ما من احد منهم استكمل تفكيره ليخرج بالجواب الصحيح ـ والاغرب ان جهات عديدة تضغط في سبيل الا يستكمل احد استقصاء هذا الموضوع ولا تحليله بحيث يصل بالناس الى استنتاج سليم. هجوم التعمية تلك الجهات أمرها غير مفهوم فهي لا ترغب أبدا ولا تسمح بأن تعرض بعض الأمور الحساسة لدائرة الضوء. لا تريد تلك الجهات بأن يُزج باسم اسرائيل في الموضوع، ولذا قامت بهجوم اعلامي بقصد الدفاع والتعمية معا، فكررت كثيرا على مسامع الرأي العام الامريكي ان المتطرفين لم يهاجموا امريكا بسبب مساندتها لاسرائيل، وانما العكس صحيح فهم يكرهون اسرائيل لأنها تتحالف مع أمريكا وتؤيدها، وزادوا على ذلك فشنوا حملات مسعورة على اقطار عربية بعينها لتركيز الانتباه عليها وابعاد الانظار عن هدف اخر يمكن ان يصبح محطا للانظار، وفي هذا الاطار يمكن ان نفهم قيام العمدة السابق لمدينة نيويورك برفض تصريحات الامير الوليد بن طلال وارجاع تبرعاته له! بعض الامور التي لا يسيغ عمدة نيويورك السابق، ومن وراءه، ان يستمعوا لها، قالها على استحياء عمدة مدينة لندن في تصريحات له نقلتها «ديلي تليجراف» اشار فيها، الى عامل اساسي من عوامل انفجار حركات الارهاب، وهو ما يدور من مظالم في اقليم الشرق الاوسط، وأومأ الى اسرائيل وممارساتها القمعية ضد الفلسطينيين، وذكر انه ما دام هذا العامل موجودا، ومستمر الفاعلية، فانه جدير بتوليد وبعث امواج عنف جديدة في كل حين، حتى ولو تم للجيش الأمريكي ان يقضي تماما على جنود القاعدة وطالبان. مثل هذا التصريح نادر الصدور وهو لا يصدر الا عن سياسي صميم، ذي قلب حي وتجرد عظيم، وثقة عالية بالنفس، واستعداد للتخلي عن المنصب اذا ما تعارضت متطلباته مع القيم الشخصية، ويصعب جدا ان يتجرأ سياسي أمريكي على اصدار مثل ذلك التصريح، بسبب شراسة اللوبي الصهيوني في واشنطن. فمثل ذلك التصريح كفيل بتدمير مستقبل أي سياسي امريكي، ولهذا السبب احجم الكل عن الاشارة الى ذلك العامل الذي اشار اليه عمدة لندن، واستنكروا شجاعة الامير العربي الذي اشار اليه عند الادلاء بتبرعه لضحايا نيويورك. تم التعتيم على ذلك العامل الذي كانت معالجته جدية، ولو بقدر جزئي، كفيلة بوقف الهجوم الارهابي، وبدلا عن ذلك تكثف الحديث عن عوامل اخرى قيل انها كانت كفيلة بمنع الهجوم. وانصب هجوم عنيف على اجهزة الاستخبارات الامريكية الخمس والاربعين، المكلفة بمواجهة الارهاب، والتي عجزت كلها عن التنبؤ بشكل الهجوم، وعجزت عن اختراق الارهابيين والتغلغل فيهم مع انهم كانوا يدرسون ـ ويتحركون ـ لاكثر من عام في داخل امريكا، وازاء كثافة الهجوم على CIA خاصة بادرة الرئيس بوش بزيارة معقلها، والالتقاء بمديرها، وتجديد ثقته فيها. وكانت خطوة بوش سليمة في درء الهجوم عن CIA لانها ليست محيطة ـ كما يظن البعض ـ بكافة شئون الكون، وان اشياء كثيرة تغيب عنها وتمر عليها لا سيما في ظروف المجتمع الامريكي المفتوح، ففي قطر ديمقراطي، لا تقوم سلطات الامن بتفتيش الناس جزافا، لانها مقيدة باعراف عميقة راسخة في احترام حريات الافراد. وفي خصوص جماعات صغيرة مثل تلك التي نفذت هجوم 11 سبتمبر، لا تجدي وسائل الاستخبارات الاساسية التي تتسلح بها امريكا، وتحمي بها امنها القومي، كتكنولوجيا الاقمار الصناعية، واعتراض الاتصالات الالكترونية.. الخ لأن مثل تلك الجماعات تتحرك بحرية وتختلط بشكل شبه طبيعي مع قطاعات المجتمع المدني، وهي جماعات بحكم طبيعتها الدينية التطهيرية المتشددة الى حد الصرامة يصعب اختراقها، ودس الجواسيس في اوساطها. تحصين المنشآت هكذا اعتذر العقلاء لـ CIA ولكن المغالين الذين بذلوا كل الجهد في التعتيم على العامل الذي لا يريدون له الظهور بذلوا كل الجهد بالتشبث بأشياء لا تعصم من الارهاب. وفي هذا المسعى ركز الكثيرون على ضرورة تكثيف الاجراءات الأمنية وتحصين المباني والمؤسسات التي يمكن ان تصبح هدفا للارهاب، ويريد هؤلاء ان تصبح كل المباني والمؤسسات الامريكية حصينة شأن سفارات امريكا في الخارج، ويشير هؤلاء الى ان تحصين السفارات، واتباع اجراءات امنية قوية فيها ادى الى حمايتها، وحتى عندما ضعف التحصين وضعفت تلك الاجراءات نوعا ما، كما حدث في حالتي سفارتي امريكا بكينيا وتنزانيا فان الاصابات ـ وسط الامريكيين ـ فيها كانت في الحد الادنى. ان تكثيف الحراسة على منشآت كالسفارات هدف معقول، وتكثيفها على منشآت كبرى واساسية كالبيت الابيض والكونجرس و البنتاجون والمفاعلات النووية.. الخ هدف معقول ايضا، وقد انتبهت الولايات المتحدة منذ الستينيات لتكثيف حراساتها واجراءاتها الامنية في امثال تلك المؤسسات، ولكن تعميم تلك، الحراسات والاجراءات الامنية، على كافة المباني والمؤسسات امر لا يمكن ان تتكفل بتغطيته كل ميزانية الدفاع حتى لو تمت مضاعفتها مرات ومرات. واشار البعض الى ضرورة مكافحة الارهاب في معاقله لاجتثاثه من الجذور، ضاربين المثل بالجدوى المزعومة التي حققها الهجوم الامريكي على ليبيا في 1986، والهجوم الصاروخي على العراق في 1993، على اثر محاولة اغتيال الرئيس السابق جورج بوش، والهجومين اللذين استهدفا السودان وافغانستان في 1998، وفات هؤلاء ان تلك الهجمات التي تعقبت الارهابيين، انما اصابت ابرياء فقط لا علاقة لهم بالارهاب، ولم تقتل ارهابيا واحدا، وكل ما ادت اليه ان اشعلت مزيدا من الغضب السياسي على تلك التصرفات الرعناء، كما فات هؤلاء انه على ضوء ما سبق الاقتناع به من صعوبة جمع المعلومات التفصيلية عن الارهابيين، فيصعب التعرف على كافة مواقعهم، ويصعب بالتالي تسديد هجمات صاروخية أو جوية او حتى عمليات كوماندوز ناجحة ضدهم. وذكر اخرون العامل الاقتصادي قائلين ان مراقبة حركة الاموال كان جديرا بأن يعطي اشارات الى تحويلات مشبوهة، يمكن مصادرتها، وبالتالي قطع الارهابيين عن تنفيذ اهدافهم و مآربهم. ويتحدث هؤلاء عن مبالغ ضخمة في حسابات كثيرة وتضفي عليها المصارف سرية خاصة، بحكم قوانينها، كما تمنع الاجراءات القانونية العادية عملية مصادرتها الا بقرائن او بيانات قوية، وينسى هؤلاء ان العمليات الارهابية لا تحتاج في العادة الى تمويل ضخم، وكأنهم نسوا ان المحاولة الاولى لتفجير مركز التجارة العالمي التي جرت في 1993 لم تكلف اكثر من اربعمئة دولار، وان المحاولة الثانوية في 11 سبتمبر الماضي، لم تكلف رغم تحضيراتها الكثيرة المكثفة اكثر من نصف مليون دولار وذلك حسب رصد الاجهزة الامنية عقب الحادث. وهكذا تصبح مسألة ملاحقة الاموال وتجميدها او مصادرتها قاصرة على ان تشمل مبالغ صغيرة يمكن ان تتسرب من دون ان يلاحظها احد، وذلك يعني ضمن ما يعني ان مصادرة الاموال الكثيرة، لا يعني التجفيف التام لكل مصادر تمويل الارهابيين. احترازات اخرى كانت تلك هي بعض الاحترازات الوقائية التي انتبه اليها المحللون وزعموا انها كانت كفيلة لمنع كوارث 11 سبتمبر وثمة تنبيهات اقل اهمية تناولها اخرون مثل تشديد الضغوط على الحكومات، وفرض العقوبات الاقتصادية عليها، واستصدار عقوبات اضافية ضدها من مجلس الأمن، ومثل انشاء محاكم دولية لمحاكمة الارهابيين، كتلك التي مثل امامها المتهمان الليبيان في قضية «لوكيربي»، والتوسع في دمغ المنظمات بالارهاب، وضمها الى قائمة المنظمات الارهابية التي تصدرها وزارة الخارجية الامريكية كل عام، والتشديد في مراقبة اعضائها ومسانديها والمتبرعين لها. وذكر اخرون ممارسة التحفظ في فتح الابواب أمام المهاجرين الى امريكا والتشدد في منح تأشيرات الدخول حتى لمئات الالاف من الطلاب القادمين من شتى انحاء العالم، ومراقبة سلوكهم بدقة في الجامعات الامريكية، اذا سمح لهم بالدخول، وقيل ان تتبعا وثيقا مثل ذلك كان بامكانه ان يكشف تحركات المتهمين التسعة عشر، باحداث 11 سبتمبر. هكذا مضى المحللون الى كل اتجاه، سوى اتجاه البحث عن الدوافع التي تعلل بها الارهابيون، واشار اليها صراحة عمدة لندن. وهي دوافع كان من الممكن بحثها، ولو على سبيل البحث السيكولوجي العلمي المحض، ولكن ذلك من قبيل الممنوعات في الاعلام الامريكي، وعلى الساحة السياسية الامريكية كذلك. لا أحد في العالم الاسلامي يؤيد سلوك الارهابيين او يجد لهم عذرا فيه ولكن محللين ومنظرين امريكيين كثر في طليعتهم هنتنجتون وكلنتون يريدون دمغ العالم الاسلامي كله بتهمة التآمر على الغرب وممارسة الارهاب الاول كتب مقالا بهذا المعنى لـ «نيوزويك» والثاني سعى لمطالبة المسلمين بتغيير مناهج «التربية الاسلامية» بدعوى انها اصل الداء! جاء كلنتون الى العالم الاسلامي ليعطي المسلمين درسا في التسامح، ولكنه مارس التعصب في ابغض صوره اذ رفض ان يصافح اشخاصا بعينهم من نخب العالم الاسلامي، تصادف ان كانوا هم انفسهم منظمي المؤتمر ومن دعوه اليه. كيف يكون من يدعوك لحضور المؤتمر غير متسامح، وتكون انت متسامحا وانت ترفض مجرد مصافحته مصافحة عابرة. هذا أمر لا يمكن تفسيره، الا بضراوة الضغوط الخفية التي يتعرض لها السياسيون الامريكيون، وتنحو بهم الى هذا السلوك غير المعقول، ولان تلك الضغوط كانت مستمرة والاستجابات لها كانت متوالية. فالامل كان ضعيفا منذ البدء في اكتشاف اسباب كارثة 11 سبتمبر، وبالتالي ايقافها. ـ استاذ العلاقات الدولية ـ الولايات المتحدة