المرأة والتطرف ـ بقلم: عادل حمودة

صورة المرأة عندهم غائمة.. مضطربة.. متداخلة الألوان والظلال.. لا يرون منها سوى جانبها المعتم فيخافون منه.. صورة المرأة عندهم مستوردة من مصحات الأمراض العقلية.. أو هي صورة مسروقة من ملفات شرطة الآداب.. أو مصلحة السجون.. فهي ليست رجسا من عمل الشيطان.. وإنما هي الشيطان نفسه.. والتعامل معها كالإمساك بجمرة مشتعلة.. أو كالتورط في عملية تهريب خفية. وضمير (هم) يعود الى الجماعات الأصولية المتشددة التي كان ينتمي اليها (خالد البري) مؤلف الكتيب المثير: (الدنيا أحلى من الجنة) الذي يروي فيه (سيرة أصولي) سابق.. لقد استغلت الجماعة نقطة ضعفه وهي أنه يريد أن يكون قويا.. فمنحوه هدية جنزيرا وهو لا يزال شابا صغيرا في سنوات المراهقة.. ونفخوا فيه بوصفه (خليفة سيد قطب).. وأقنعوه بتحريم الغناء والتلفزيون والسينما.. ونصبوه أميرا في جماعتهم.. وشاركهم في مقاومة الاختلاط بين الجنسين في الأماكن العامة بدعوى أنه منكر.. لكن في أعماقه وفي شرايينه كانت هناك مشكلة تؤرقه وتعذبه وتحرمه من النوم.. مشكلة الرغبة الجنسية. وبصريح العبارة يقول: (نعم كانت إقامة علاقات بالفتيات شرا ومعصية ورجسا.. ولكنها أيضا شرا لا أقدر عليه).. (إن الثائر لا ينتحر لأن الفكرة التي يتبناها طريقها طويل.. لكنه قد ينتحر يأسا من وصل محبوبته). لقد أعلن خالد البري نفسه (ملتزما دينيا).. وتوج ذلك برصاصة أطلقها من بندقية الصيد على صبيان وبنات يلعبون لعبة بريئة.. كان يعتقد أنه يحول دون وقوع هؤلاء الأطفال في الخطيئة مبكرا.. لأن (النظرة بريد الزنا).. ولأن المنكر الذي يجب تغييره لا يعرف صغيرا وكبيرا.. بريئا وآثما.. لكن.. ما في القلب ليس هو ما على اللسان.. فهو يستطرد: (لكنني بعد سنتين من هذه الواقعة صرت أقف طوالا من الليل خلف زجاج النافذة أراقب الفتيات اللاتي يسكن قبالتنا متحينا فرصة أن أرى إحداهن تخلع ملابسها أو تستلقي على سريرها فينحصر عنها رداؤها).. هكذا.. صرامة شديدة في المظهر.. وليونة سائلة في الجوهر.. أو كمن يرتدي ثياب هتلر النازية القاسية لكن في أعماقه يشعر أنه شارلي شابلن. كانت معرفته بالجماعة المتطرفة تتزامن مع انتقاله من الطفولة الى المراهقة.. ومثل معظم أقرانه في هذا العمر كان ميالا الى الرومانسية معتقدا أن الجنس أمر نمارسه (فقط) مع من لا نحب.. (أما من نحب فإن العلاقة به يجب أن تسمو عن هذه الأمور المشينة).. وهكذا.. قاطع التلفزيون والسينما والمجلات الملونة.. وحرم على نفسه مصافحة النساء.. وكان يكرر بينه وبين نفسه: (لو أن الله لم يخلق فينا غريزة الجنس لضمنت دخول الجنة).. ولم يكن أمامه سوى الصوم.. فبلغ اجمالي ما يصومه اسبوعيا خمسة أيام.. (وكان أن كسرت جزءا من شهوتي وخسرت قدرا من صحتي).. على حد قوله. ويستطرد: (وكان الأخوة ينبهوننا الى ضرورة التعامل بحذر مع (أي) فتى أمرد.. أي الفتى الذي لم تنبت له لحية بعد.. إذ ينبغي عدم احتضانه عند المصافحة كما كنا نفعل عادة مع أي أخ.. كذلك لا ينبغي الاختلاء بأمثاله ولو في دروس القرآن).. لكن.. فالمبالغة في كراهية المرأة والخوف منها قد ينتهي الى ما هو أسوأ وأشد كرها. المسكوت عنه ولا تمنع الجماعة مناقشة كتب التراث التي تتحدث عن أحكام الجماع عن السلف الصالح وهي كتب ممنوعة لأنها تتجاوز الحدود في الوصف والشرح بطريقة فاحشة.. وعلى رأس هذه الكتب (تحفة العروس) الذي يسهب في الكلام عن جسد المرأة بكل دقائقه.. وعن المواصفات القياسية للأنثى.. وما يحبه فيها الرجل وما لا يحبه.. ولا جدال أن حلقات النقاش في تلك الحالات تكون مزدحمة عن آخرها.. كما أنها فرصة لاخراج ما هو مكبوت ومضغوط ومسكون ومسكوت عليه.. فيحكي أحدهم عن الحور العين.. ويحلم آخر بأن يسبي مارجريت تاتشر حين يفتح الله عليهم ببريطانيا.. و(سيرسلها لشراء الفول كل يوم صباحا).. ويبالغ ثالث في سرد تفاصيل ما يفرضه الشرع عند دخول الرجل بزوجته.. تفاصيل لو نشرت لقبض على ناشرها بتهمة خدش الحياء العام.. وقد اعترضت الجماعة على تنفيذ حكم الاعدام في الستة شباب الذين اغتصبوا فتاة المعادي.. وكانت حجتهم هي أنه لابد أن نوفر للشباب فرص الزواج ثم نحاسبه. ويبدو أن كل ما كان تحت جلودهم من ضغوط وأعصاب مشدودة وحرمان ممزوج بالخوف من الخطيئة جعلهم يتصرفون بحدة وغصب وعنف يصل الى حد العدوانية النفسية المرضية في الجامعة.. حيث كانت مهمتهم الأولى تتمثل في منع الاختلاط بين الطلاب والطالبات.. فلا يجلسون متجاورين في قاعات الدرس ولا يتحدثون أحاديث مباشرة سواء منفردين أو مجتمعين.. (كانت هذه المهمة في غاية الأهمية بالنسبة للأخوة لأنها على حد قولهم تدرأ الخطر الأعظم.. كما أنها الدليل الواضح على وجودهم أو عدمه).. لذلك لم يكن هناك بديل أو حل وسط مقبول.. بل لابد من منع الاختلاط بكل الوسائل الممكنة.. وقد حاول بعض الطلاب في بداية العام أن يجلسوا في المكان الذي خصصوه للفتيات فذهبوا اليهم وقالوا لهم بلغة التهديد والوعيد: (افعلوا ما بدا لكم ولكن تحملوا النتائج).. وفي اليوم التالي لم يجرؤ أحد منهم على الجلوس في تلك الأماكن.. لقد لعبوا دور الشرطة الدينية.. وأسعدهم ذلك كثيرا.. فهم الذين يحددون الصواب من الخطأ.. وهم الذين يفرزون الخبيث من الطيب.. وهم الذين يفرقون بين الحرام والحلال.. ورغم أنهم لم يقدروا على إثبات إحكامهم فإنهم اعتمدوا على جهل الآخرين في فرض الارادة وغسل العقول. إن أخطر ما نتعرض له هو وجود نوعية جديدة من الدعاة تقول ما تعتقد.. وتفتي بما تتصور.. ولا نعرف من أين جاءوا؟.. ولا ما الذي يريدون بالضبط؟.. وهم يعتمدون على أننا نسمع ولا نقرأ.. ونصدق كل من يكلمنا في الدين ولو كان جاهلا به.. فهو على ثقة تامة بأن لا أحد سيسأله من أين جاء بما يقول؟.. وأي مراجع أو كتب قرأ؟.. فما دام قد قال فقد صدق.. وما دام قد أفتى فعلينا السمع والطاعة.. وما دام قد ظهر أمامنا وهو في حالة وجد فإنه يصبح في أيام قليلة أسطورة وضريح وبركة. عدم الاتزان ويعترف خالد البري: إنه رغم قسوته على نفسه فإن ذلك لم يخفف رغبته.. بل زادها.. وجعلها تثور لأتفه الأسباب.. وهو ما كان يشعره بالذنب.. وعدم الاتزان النفسي.. ويروي بصورة إنسانية سهلة ما كان يشعر به قائلا: (جمعتني الظروف بفتاة من أصدقاء الأسرة نهارا كاملا ووجدت نفسي غير قادر على استبعاد فكرة أن أضمها وهي تتصفح الكتب الموضوعة على رفوف المكتبة.. كنت أقترب منها ثم أبتعد وأحوم حولها ثم أعود فأقترب جدا دون أن تشعر بي ثم أبتعد.. وكي أتحايل على هذا الشعور صرت أقترب منها وهي جالسة وأقول لها (لماذا لا ترتدين الحجاب.. إنك الآن كبيرة؟.. وأتظاهر بأنني أخنقها تأديبا لها بينما استمتع في اقترابي منها وفي ملامستها). لكن.. في الجامعة كانت المظاهر المتشددة تأخذه الى نهاية المشوار.. وهو يعترف أنه لم يلجأ مرة واحدة لاستخدام القوة.. فمجرد أن يهدد ينفصل الجنسين.. ويذهب كل منهما الى المكان الذي تحدده الجماعة له.. لا أحد فكر في الاعتراض.. لا أحد فكر في التمرد.. لا أحد فكر في السؤال الذي كان يجب أن يطرح: وما لكم أنتم بدين الله؟.. وما الذي تعرفونه عنه؟.. من الذي منحكم سلطة الشرطة الدينية؟.. وأين كانت كل السلطات والتنظيمات؟. إن كل واحد من هؤلاء كان فرعونا صغيرا.. لم يجد من يرده.. فتجبر وتكبر.. ووصل الأمر الى حد أنهم تدخلوا الى إنهاء حديث بين شاب وفتاة.. وعندما عرفوا أنها أخته التوأم كان ردهم: (نعم ولكن لا تعلم ذلك).. وأخطر من ذلك.. أنهم كانوا يصطحبون طبيبا في عمليات تغيير المنكر بالضرب حتى لا يفضي العنف الى الموت. ولابد أن تكون صدمة خالد البري شديدة عندما يفاجأ بأن أعضاء هذه الجماعات مثلهم مثل غيرهم.. تمنيات طيبة ورغبات شريرة.. لقد انهالوا على واحد منهم بالسلاسل والجنازير في المسجد لأنه كان غير سوي.. ثم ألقوا به في الشارع.. وبعد عامين وجد مقتولا وملقى في الحقول ولم يعرف الجاني.. إن هذه الحادثة أثبتت له أن مجتمع هذه الجماعات ليس مجتمع ملائكة.. وهو ما جعل أحدهم يقول يائسا أو ساخرا: إننا نطمع في أن يمكن الله لنا في الأرض بينما الأمراض تنتشر فينا.. وقليل علينا ما يحدث لنا من بلاء.. فهذا من رحمة الله بنا. وكانت هناك صدمة أخرى عندما اكتشف خالد البري أنه ليس هناك مساواة في تطبيق الحدود في الجماعة.. هناك خيار وفاقوس.. لقد ضربوا عضوا شاذا حتى الموت.. لكنهم لم يفعلوا الشيء نفسه مع عضو آخر وعرضوه على طبيب نفسي.. لقد منحوه فرصة للعلاج بينما لم يمنحوها لغيره. وفي الوقت نفسه لم يكن للجماعة رؤية سياسية واضحة أو غائمة في كل ما يجري حولها من أحداث.. (إن الادراك السياسي لقادتها يكاد يكون معدوما).. على حد قول خالد البري.. ويدلل على ذلك بأن الجماعة أقامت مهرجان تأييد للشاعر اليساري محمد عفيفي مطر بعدما اعتقل ظنا من الجماعة أنه الشاعر العراقي ذو الصبغة الاسلامية أحمد مطر. كان ذلك بعد الغزو العراقي للكويت في أغسطس عام 1990. وعندما انفجرت موجات العنف في كافة أرجاء مصر.. لم يقتصر العنف على شخصيات ومؤسسات النظام السياسي والمجتمع المدني وإنما امتد الى تصفيات داخلية بين الجماعات المختلفة.. فكل جماعة تعتقد أنها وحدها التي تملك ناصية الحكمة والحقيقة وما عداها لا يستحق الحياة.. وليس من الصعب تكييف الأدلة الشرعية على ذلك.. فكل شئ ممكن ما دامت النية غير خالصة لوجه الله. العودة الى الحياة لقد فسروا حركة الكون في كلمتين: الطاعة والمعصية.. اعتبروهما كفتي الميزان في كل ما يجري في العالم.. فالاقتصاد المزدهر يأتي للمسلمين مع الطاعة والفقر والحاجة يأتيان مع المعصية.. والتاريخ نفسه صراع دائم بين الكفر والايمان.. لا صراع مصالح.. ولا صراع موارد.. وامتد التصور نفسه الى الجغرافيا.. فالأعاصير التي تصيب الولايات المتحدة من فترة الى أخرى هي غضب من الله.. والزلازل التي تضرب الأرض هي إنذار من الله للناس بأن أمره قريب.. والمطر المحبوس في السماء هو ابتلاء من الله لا يرفع إلا بدعاء الصالحين.. وعندما يكون السؤال: لماذا يغرق من يصفونهم بالكفر في خيرات الدنيا ويسيطرون على كل شئ؟.. تكون الاجابة: لهم الدنيا ولنا الجنة. بعد خمس سنوات في الجماعة عاد خالد البري الى الحياة.. كان على حد قوله (المستيقظ من حلم يشعر بأثره ولا يستطيع تذكر تفاصيله).. لم يدرك على وجه التحديد كيف تغير المسار؟.. هل هي تجربة السجن القاسية التي عاشها؟.. هل هي السنوات التي تأتي بالنضج والفهم؟.. هل هو التناقض بين كل ما كان يتصور وما وجد عليه هذه الجماعات؟.. لم يستطع الاجابة.. بل لم يرهق نفسه في التوصل اليها.. كل ما عرفه هو أنه عقد العزم على أن يعيش حياته كما يعيش الناس.. يصلي في البيت.. ويشاهد التلفزيون.. ويذهب الى مباريات الكرة.. ومرت سنتان وهو على هذه الحالة. لكنه يستطرد: إنه بعد قصة حب رومانسية فاشلة أحس أنه لم يعد أي شئ.. فلا هو (الأخ خالد) الذي يجاهد في سبيل إقامة دولة اسلامية ولا هو يملك مقومات الشاب (المودرن) الذي خبر مهارة العلاقات مع الفتيات.. وقد أحزنه أن يشعر بالضعف بعد فشله في الحب هذه المرة.. فهو حين كان يحب وهو أخ ملتزم كان يحس أنه نسر.. أما حين أحب دون أن يكون ملتزما فقد شعر أنه عصفور تعلم في القفص ألا يكترث بحريته. على أنه بعد العودة الى الحياة اكتشف لأول مرة أن العقل الانساني يمكن أن يفكر خارج ما يفرض عليه من نصوص.. إن الشك متعة توصلك الى متعة أخرى وهي اليقين.. واكتشف أيضا أن عليه أن يحترم الآخر.. يحترم تاريخه وعقائده وأبطاله ولا ينكر عليه أحلامه.. وزادته القراءة يقينا بأنه ليس نبتا شيطانيا.. وأنه لم يمش في طريق الاستسهال والحصول على كل شئ في الدنيا بلا عناء. إن تجربة خالد البري هي تجربة إنسانية وسياسية ودينية صادقة.. ليس فيها تكلف أو إدعاء.. ويسهل قراءتها.. ويسهل الايمان بها.. فكل ما يخرج من القلب يصل الى القلب.. وربما كانت فرصة لكل مراكز البحوث والدراسات المهتمة بالتطرف الديني أن تفحص هذه السيرة الذاتية بدقة ودون فذلكة أو فلسفة لتعرف كيف يتم تجنيد الشباب.. وكيف ينفذون اليهم.. وكيف يفتشون في نقاط ضعفهم.. وكيف يأخذونهم درجة.. درجة.. من الكلمة الى القنبلة.. وكيف يعزلونهم عن الأفكار والتيارات والجماعات الأخرى.. كيف يحولونهم الى كائنات ممسوخة تنفذ ما يطلب منها دون اعتراض أو مقاومة. ولو كنت من مؤلفي الدراما لسارعت بتحويل هذه السيرة الى فيلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني.. ولو كنت من وزير التعليم لطبعت الكتاب ووزعته على كل تلاميذ المدارس الاعدادية والثانوية.. ولو كنت من خالد البري لشعرت براحة عميقة.. فقد كسب في كل كلمة كتبها ثوابا مضاعفا.. فالطريق الذي مشى فيه بمفرده أصبح بعد ما كتب مضيئا وممهدا ومزروعا بالخضرة.. فشكرا له. ـ كاتب مصري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات