ما هو المعيار الصحيح او المقبول للوصول الى سن التقاعد؟ أهو في علة العمر أو علة الفكر، أي هل التقاعد يعني بالضرورة عدم صلاحية الانسان للعمل حتى يأتيه يوم ويموت قاعدا بدل ان يتشرف بموته واقفا يعمل كما كان حال سيدنا سليمان عليه السلام الذي مات واقفا متكئا على عكازه فلم يعلم بموته جن الأرض حتى أكلت دابة الأرض من عصاه ونخرتها حتى وقع ثم انتشر خبر وفاته بعد ذلك؟ هذه حالة الانسان العامل حتى آخر العمر ولا يمكن ان يتم تحديد هذا الزمن بسن التقاعد والا حكمنا على كل الخبراء أنهم قد وصلوا الى سن الخرف وليس في الخرف ذرة من الخبرة يمكن الاستفادة منها. أنظمة التأمينات الاجتماعية بنيت على أساس فك الارتباط بين العمل في الحكومة أو المؤسسة الخاصة سواء بعقد أو بغير عقد حتى عمر معين حسب القانون الساري في كل مجتمع على حدة، ثم بعد ذلك تترك تلك الانظمة حرية العمل لكل من بلغ سن التقاعد الرسمي يضرب في الارض حرا كالطائر الذي يحلق ويحل ويربط بين جناحيه متى شاء لأن فكره طليق من القيود الرسمية فيكون عطاؤه افضل مما لو كان مقيدا بأنظمة ادارية بنيت ووضعت اصلا في بعض المجتمعات لتقييد الابداعات البشرية باسم الالتزام بالقوانين واللوائح التي تضغط على العقول وتحصر الافكار بين جدران الروتين الممل. ان عمر الانسان مرتبط ارتباطا مباشرا بأعمال فكره وليس بأيام حياته المعدودة مهما طالت فلابد لها من نهاية، فقد يبدع انسان في اخر يوم من حياته بعمل عظيم تسير به الركبان أياما وليالي عبر كافة وسائل الاعلام وذكره يطغى على سني عمره المديد. مر رجل على قبر رجل من الصين فوجد مكتوبا عليه عمره يوم واحد فقط فسأل صاحبا له مستغربا، كيف عاش يوما واحدا وقد بلغ من الشيب عتيا؟ فأجابه لأن هذا اليوم الحقيقي من عمره الذي فعل خلاله عملا يذكره التاريخ أعمار الاجيال كلها. فالعبرة ليست في شيخوخة العمر، وانما في شيخوخة الفكر، فما دام الفكر متحركا لا يقبل الجمود بأي صورة من صوره القانونية وغيرها فان قانون المعاشات أو التأمينات الاجتماعية عليه أن يأخذ في الاعتبار ان الأعمار قد تتقاعد مبكرا أو متأخرا، وأما الافكار فان التقاعد لا يطالها مهما بلغت بأصحابها الأعمار وطعنت الكهولة في اجسادهم. فكم من الكهول بلغوا الستين والثمانين وأكثر أحيانا وانما عقولهم وأفكارهم وقلوبهم تتقلب في العشرين فهل نعيد النظر في موازين التقاعد؟ -Mail: DrAbdulla@albayan.co.ae