يبدو أننا شعب جُبل على الثرثرة والكلام الكثير الذي لا يغني أو يسمن من جوع، وكلما حاولت التكنولوجيا ابعادنا عن ذلك الطبع قسراً قربتنا من حيث لا تدري، فالتفاصيل التكنولوجية الدقيقة والمثيرة التي يشهدها انسان اليوم تنقله نقلة خرافية نحو آفاق وأبعاد جديدة وعوالم مختلفة، خاصة وأنه لم يعد خافياً على أحد تعلق أبناء الجيل الحالي بمعطيات الثورة التكنولوجية واللغة الحميمية التي تربط هؤلاء بتلك الوسائط. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام: هل استطاع ابناء هذا الجيل استثمار هذا الفضاء الحرّ، وتلك اللغة التكنولوجية في فهم فكر هذا العالم المترامي الاطراف المتقارب بفضل تلك اللغة؟ وهل تم التعامل بمثالية مع تكنولوجيا الكمبيوتر؟ حتى لا أتهم بالتآمر، وهذا نهج متوافر ودائم في قاموسنا العربي، اترك الاجابة جانباً وأبحر بعيداً الى جوانب أخرى من هذا الفهم.. فشبابنا الذين يتعاطون لغة الكمبيوتر ويتواصلون مع تيارها المثير الذي يهب فناً وابداعاً وجدوا ضالتهم في شبكات الانترنت وبين دهاليزها، وهذا في حد ذاته انجاز يحسب لتلك التكنولوجيا، الا ان المثير في ذلك الابحار اللذيذ، كما يحلو للبعض تسميته، هو مدى التأثر والتأثير الذي تتركه شبكة الانترنت في تشكيل توجهات شريحة الشباب، ورغم عدم قناعتي بفرض الوصاية على الفكر، الا ان رقابة الأهل يجب ان تكون واردة بعيداً عن اسلوب الضغط. ورغم صعوبة المسألة الا ان ذلك الامر يجب الا يكون محبطا للأهل، خاصة وأن الشباب اليوم مختلفون في كل شيء ويعيشون زمناً مختلفاً، تأتي المعلومة والاقناع والحوار على رأس متطلباته، واذا كان شباب السبعينيات والثمانينيات يجدون حرجا في نقل أحاسيسهم من أمور هي من المحرمات بالنسبة لهم، فان جيل الالفية الراهنة لا يجدون غضاضة في ذلك، فمن يتصفح مواقع الحوار ير عجباً، فالحوارات ساخنة الى حد التمرد، والوسائل والطرق التقليدية التي كانت وما زالت مستمرة بين أوساط الاجيال الماضية في فنون الغزل والشعر والكلام والمداعبة ما زالت قائمة لكنها بشكل حداثي، فبينما كانت الرسائل الورقية المكتوبة بمداد العشق والغرام هي الوسيلة المحببة لأنها تمثل دليلا ماديا على تلك اللغة فان عشاق اليوم يتبادلون الرسائل بكل سهولة ودون وجود لرقيب، فنقرة واحدة فقط على رأس الفأرة تتيح للطرف الآخر قراءة الرسالة وحفظها.. ولكن هل هذا يكفي؟ يبدو أن الكثير من هؤلاء الشباب لا يجدون الا التمرد على انفسهم لغرض ما يريدون البوح به، ورغم ذلك يقفون أمام انفسهم وقفة اخرى حتى لا يفضحوها، فيستبدلون شخصياتهم الحقيقية بأخرى ويرتدون أقنعة حتى يمرروا رسائلهم ويمروا هم وسط القلوب المتيمة والمصوّبة بسهم العشق. وفي الوقت الذي يصوّب فيه بعض من شبابنا سهام قلوبهم على مواقع يرون انها صيد ثمين نجد آخرين في أوروبا وأمريكا والوطن العربي يتخذون من هذه الوسيلة المثيرة ممرا للخروج من حدودهم الصغيرة الى حدود أخرى أكثر رحابة واتساعا. ونضع لافتة هنا لنقف اجباريا عما سيسفر عنه الخروج من النفق المظلم، إذ يرى البعض ان ما ستفرزه الألفية يحتاج أكثر من وقفة، خاصة وان رياح التغيير تهب عاصفة فتأخذ في طريقها الأخضر واليابس، فقد تسببت تكنولوجيا الكمبيوتر والانترنت بشكل كبير وخاصة في الدول المتقدمة صناعيا في تلاشي الكثير من القيم الاجتماعية وأواصر الترابط، وأثرت على الافراد بشكل خاص، فالارتباطات البشرية المتداخلة تعتبر بمثابة النسيج الرابط والضروري للنمو البشري وتطوره، واذا وصل الانسان الى نقطة يتخلى خلالها عن تلك الروابط فسيسجل ذلك انتصارا ساحقا للأجهزة الصماء على حساب انسانية الافراد والمجتمعات. ورغم الحرب الضروس بين رافضي تطوير تلك التكنولوجيا لأغراض تسير أمور حياتنا الخاصة الذين يتخوفون من ان يأتي اليوم الذي تحرم فيه أجهزة الكمبيوتر من العمل بعد وصول هذه التكنولوجيا الى حدودها القصوى، وبين مؤيدي التطوير، الا ان ذلك لن يغير شيئا على حسب ما يؤكده المصنعون الذين يستشرفون ولادة مرحلة جديدة لما سيكون عليه عالم التكنولوجيا الفائقة والدقيقة في الغد، والتي سيتحول كل شخص خلالها الى فرد معزول عن الآخرين يتواصل مع دناه الحالمة في جزيرته الخاصة. وترسم كثير من الشركات المختصة في تطوير تكنولوجيا الكمبيوتر مستقبلا ورديا زاهيا للانسان وخاصة في مجال التعليم الذي سيكون ثوريا في المرحلة المقبلة بعيدا عن المشاكل القائمة حاليا والمتمثلة في نقص المعلمين وغياب التخطيط وضياع الوقت في حصص لا تضيف جديدا، وبعيدا عن امتحانات الثانوية العامة التي تصيب المجتمع بدءا من الوزير وانتهاء بالغفير بحالة من الصداع المزمن. ولأن كل جديد لابد له من معارض، فقد كبرت لائحة الاعتراضات إذ أكد المعنيون بالطفولة ان الكمبيوتر سيضر بالاطفال بدنياً، وان الشواهد قليلة بحصول مكاسب أكاديمية جراء استخدامه تربويا، الا ان ذلك لم يوقف كثيراً من الدول المتقدمة وعلى رأسها امريكا لصرف 155 مليار دولار لتركيب الاجهزة اللازمة لربط المدارس الامريكية بشبكة الانترنت وخطوطها المنتشرة وبالتالي ربط نظام التعليم بهذه التكنولوجيا لتكون أفضل الخيارات المتاحة لتطوير المناهج الدراسية. عموما أصبح العالم خيمة صغيرة وما تحدثه التكنولوجيا في امريكا نلمسه نحن هنا، لذا على المعنيين وضع أهداف محددة لما يتوجب أخذه من هذه الثورة وإلا أصبحت العملية كما يحلو للبعض قوله: «سمك، لبن، تمر هندي»!