خيل الي وأنا اطالع نص الخطاب السنوي للرئيس بوش عن «حالة الاتحاد» الذي القاه على الكونجرس ان اجزاء من الخطاب تبدو وكأن كاتبها ارييل شارون واجزاء اخرى تبدو وكأن الذي وضعها هو فيليب كونديت رئيس شركة «بوينج» لانتاج الاسلحة. فالروح العامة لخطاب الرئيس الامريكي تبدو وكأنها تنطلق من اعتبارين رئيسيين: حماية امن الدولة الاسرائيلية من ناحية وانعاش شركات صناعة الاسلحة الامريكية من ناحية اخرى. وفي كلتا الحالتين يعتمد الخطاب اسلوب الاثارة الارعابية من اجل تهيئة الرأي العام الامريكي لقبول الكلفة الحتمية الباهظة التي سوف تتحملها قطاعات الشعب الامريكي في المرحلة المقبلة. التبرير الارتكازي العام للخطاب هو كما كان متوقعا اعلان الحرب الشاملة ضد «الارهاب العالمي». ورغم ذلك لم ترد في الخطاب من اوله لآخره كلمة واحدة عن مسار التحقيق ـ فضلا عن نتائجه النهائية ـ حول هجمات نيويورك وواشنطن في يوم الثلاثاء 11 سبتمبر 2001 فعلى اي اساس، واستنادا الى ماذا، قرر الرئيس الامريكي شن حرب شاملة طويلة المدى بينما تظل الجهة المفترض انها هدف هذه الحرب مجهولة تماما من المنظور القانوني؟ ما يمكن ان يستخلص من هذا اللغز هو ان اعتزام شن مثل هذه الحرب كان مقررا سلفا حتى قبل 11 سبتمبر لاعتبارات لا علاقة لها اطلاقا بأي اعتداء على الولايات المتحدة، الاعتبار الاول هو حماية اسرائيل لضمان بقائها على قيد الحياة الشرق أوسطية كأكبر قوة اقليمية .. والثاني هو ترويج تجارة الاسلحة الامريكية اما عن طريق طلبيات جديدة ضخمة الى شركات انتاج السلاح من الحكومة الفيدرالية الامريكية لمقابلة متطلبات «توسيع الحرب ضد الارهاب العالمي» واما عن طريق اجبار حكومات في العالم الثالث لعقد صفقات سلاحية بمبرر المشاركة في هذه الحرب. من هنا نفهم لماذا «يبشر» الرئيس بوش شعبه بأن فائض الميزانية الاتحادية البالغ نحو 130 مليار دولار سوف يتحول في السنة المقبلة الى عجز بنفس المقدار، فقد اعلن بوش في خطابه ان المرحلة المقبلة سوف تشهد «اكبر زيادة في ميزانية الدفاع لم تشهد البلاد مثلها منذ اكثر من عشرين عاما» ليقول بعد ذلك «اننا سندفع الثمن مهما بلغ». لم يكن اذن مثار دهشة ان يسمي بوش في خطابه العراق وايران ومعهما كوريا الشمالية كأهداف رئيسية مقررة للحرب من منظور حماية امن اسرائيل. فقد ظل الهاجس الأمني الاعظم الذي يؤرق اسرائيل، وبالتالي الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة الخاضعة تماما للنفوذ اليهودي الداخلي، هو ان تشاركها دولة عربية او اسلامية في تملك السلاح النووي. وتدرك اسرائيل بقدر ما تدرك واشنطن ان العراق وايران يمثلان الخطر النووي المستقبلي ضدها (بالاضافة الى باكستان) لقد دمرت الطائرات الاسرائيلية المفاعل النووي العراقي الاوحد في عام 1979 .. وجرى تدمير ما تبقى لدى العراق من منشآت نووية ثانوية في اطار نظام العقوبات الدولية. ولكن يظل العراق الى امد غير منظور في المستقبل يمتلك المعرفة النووية والعقول البشرية العلمية ذات الصلة بها. بنفس القدر تملك ايران برنامجا نوويا تقول انه للأغراض السلمية لكنه سوف يطور مستقبليا الى مستوى انتاج حربي. اما كوريا الشمالية فانها الدولة التي تبيع ايران صواريخ طويلة المدى يمكن ان تطال تل أبيب سواء كانت مزودة برئوس نووية او تقليدية. عراق نووي وايران نووية، اذن يكسران الاحتكار النووي الاسرائيلي فيحرمان الدولة اليهودية بذلك من تفوقها المتميز في المنطقة. وهذا هو «الارهاب» العراقي والايراني الذي تستهدفه حرب بوش، لكن الرئيس الامريكي اذ يطنب في الصراخ عن قدرة كل من العراق وايران في اقتناء اسلحة الدمار الشامل فان خطابه يخلو تماما من اي اشارة الى اسرائيل، صاحبة اكبر برنامج نووي في المنطقة الممتدة من الساحل الشرقي للبحر الابيض الى حدود الصين الغربية.