إلى اللقاء ـ بيان ماركيز ـ بقلم: اسماعيل حيدر

أن يتفجّر الغضب ضد جرائم اسرائيل في مكان بعيد عن الجغرافيا العربية، فإن في الأمر أسئلة عن أحوالنا! وأن يعلن أديب وروائي كبير بقامة جابرييل جارسيا ماركيز (الحائز على نوبل للآداب) اشمئزازه من مجازر الدولة العبرية ويبدي إعجابه ببطولة الشعب الفلسطيني في مقاومة حرب الابادة، فإن لذلك مغزى معبراً، يجب حياله ان ندق ناقوس الإنذار لدى الرأي العام والنخبة الثقافية والمفكرة في بلداننا العربية لتمارس بإصرار فعل قناعتها بنصرة القضية الفلسطينية. فما معنى هذا الصمت الذي يطبق علينا، فيما يستطيع كل مبدع أن يمارس بقلمه ولسانه، وهذا أضعف الايمان، حقّه في التعبير عمّا يعتصره من ألم وخيبة حيال ما يجري بحق بني أمته؟ الصمت عندنا أشبه بلحظة الموات والنهايات، في وقت يلقننا أخوة لنا في الإنسانية في أوروبا وأمريكا «دروساً» في مقاومة الصمت السلبي. وماركيز هذا لا ينحدر من أصل عربي، وليست له مصالح «استراتيجية» عندنا.. هو أمريكي لاتيني من كولومبيا، دولة من عالمنا الثالث، لكنه يفيض إنسانية وعذوبة وسحراً في قصصه ورواياته، مثلما يظهر في كل حين نبله وتعاطفه مع قضايا الشعوب المظلومة أينما وجدت. لعل ماركيز أدرك هذه الحقيقة الساطعة، حين سمع أنيناً صادراً من شعب يتعرض للإبادة، يجهل العديد من الناس انه يقبع في منطقة «تجاهل الآخرين» تدعى ليل الضمير الانساني. يصرخ ماركيز في بيانه المنفرد كصدى لهذا الأنين في ظل صمت من يريدون الاحتجاج لكنهم يخشون اتهامهم بمعاداة السامية، متسائلاً: هل يدركون انهم هكذا يبيعون أرواحهم في مواجهة ابتزاز رخيص لا يجب التصدي له إلا بعين الاحتقار.. لا أحد عانى مثل الشعب الفلسطيني فإلى متى نظل بلا ألسنة؟! كان بليغاً هذا الرجل الجميل بإعلان خجله من اقتران جائزة نوبل باسمه، فهي الجائزة نفسها التي منحت لرئيس حكومة «اسرائيل» مناحيم بيجن عام 1978 كداعية سلام ووفرت له الغطاء اللازم حتى يذبح بـ «سلام» ألفين من أطفال ونساء وشيوخ مخيمي صبرا وشاتيلا في ضواحي العاصمة اللبنانية، وهي الجائزة نفسها التي يمشي على «مجدها» سفاحو اسرائيل الجدد، في افناء كل ما يمت للسلام العادل والشامل في المنطقة، واطلاقهم الوعيد بحروب واسعة النطاق بدعم أمريكي. والحالة هذه يصبح من الطبيعي ان يطالب حامل «نوبل للآداب» بمنح أرييل شارون جائزة نوبل للقتل تأكيداً لجرائمه ضد الإنسانية لتكون مستنداً تاريخياً في محاكمة آتية لا مناص منها!! وإذ نتحدث عن ماركيز بالمحبة والإعجاب، يحضرنا نايبول آخر حائزي نوبل للآداب، الذي كانت مكافأته جزيلة على عنصريته الفظة وعدائه لقيم العروبة والاسلام.. لكأن في الأمر تناغماً مع الحملة الغربية المنظمة التي انطلقت بعد أحداث 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن. أفلا يجدر بنا ان نرفع القبعة تحية لهذا الرجل النبيل الذي يقاوم أعاصير الزمن الامريكي ويعلن إعجابه غير المحدود بالبطل الفلسطيني الذي يغالب محاولات الإفناء بالولادة والاستشهاد؟ هنا فقط، تكمن قامة الأدب ورفعته.. وعند المحك يبرز فعله الإنساني، وما بين ماركيز الذي تتجلى في مخيلته وحياته قيم الجمال والانسانية ونايبول الذي تزخر كلماته بالحقد المسموم، ثمة مساحة واسعة للتعبير، والخيارات فيها محدودة جداً، فالابداع يكون انسانياً أو لا يكون، ولا معنى أن يعيش المبدع انفصاماً بين كتابته وما يتعلق بقضايا الشعوب. ماذا إذن.. هل نترك ماركيز يصرخ في وادٍ ولا رجع لندائه؟ وهل نركن لواقعنا الذي يخجل منه الخجل ذاته، أم ننفض عن أوراقنا الغبار والبلادة، و«نبيّض» صفحاتنا، بما يبعد عنا شر اللعنات؟ ليست دعوة لمجرد الكتابة عن المأساة، انها محاولة لمواجهة اخرى غير تقليدية، لنسمّها كونية، نوقع فيها جميعاً على ما جاء في بيان ماركيز المنفرد، كي تصبح الأوركسترا عالمية حقاً، نفضح فيها الاجرام الصهيوني في مسقط رأسه وبين حاضنيه، فلدينا من النخب والعقول المبدعة ما يسمح لنا بخوض معركة حضارية ناجعة لابد ستعيد التوازن للصورة المشوّشة أمام الآخر، وتمنحنا مجدداً القدرة على التقاط الأنفاس والمبادرة. Email: Ismail_haidar@yahoo.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات