هل السياسة الدولية متغيرة؟!، سؤال ليس بجديد، ولا الإجابة عنه متغيرة، بالطبع السياسة مثل أي شيء متحول وقابل للتغيير، بل الثوابت فيها أصبحت قليلة جدا خاصة في هذا الزمن، وهناك ما بعد كما هناك ما قبل، ما بعد وما قبل أي تاريخ وأي لحظة، بل أن أي لحظة يمكن أن تشكل نقطة نهاية لتبدأ بعدها بداية، ولكن المتغيرات قد تصيب البعض ولا تصيب البعض الآخر، في هذا الإطار العلاقات السياسية متغيرة، بل شديدة التغيير من وقت لآخر، وربما كان التاريخ الأقرب للتغيير والتأثير من اجل التغيير هو ذلك التاريخ الذي هز بداية القرن الحادي والعشرين في 11 سبتمبر الماضي، معه انتهت مرحلة وبه بدأت مرحلة أخرى في العلاقات السياسية الدولية. من البديهي أن يكون هذا التاريخ نهاية وبداية معا، ولكن يجب أن نتفحص كل جانب لنتعرف منه الثابت والمتغير، وما يصيب منه العلاقات السياسية وما لا يصيب، وربما كانت المتغيرات التي حدثت في أوروبا أقوى من تلك التي تعيشها الولايات المتحدة الأمريكية التي شهدت هذا الحدث الرهيب، فمن النظرة الأولى يبدو أن الولايات المتحدة لا تزال تعيش غطرسة «القوة» التي تحجب عنها رؤية الواقع المحيط بها، وهي على حق لأن من يملك القوة التي تطول أي مكان تحت أي ظرف يمكنه أن يعتقد فيما يشاء ويرفض الاعتقاد فيما لا يشاء. لكن أوروبا طفت على سطحها السياسي متغيرات كانت تبدو بعيدة عن الحدوث قبل تاريخ الحادي عشر من سبتمبر، والأمثلة كثيرة، من يذكر منا الزوبعة التي هبت على أوروبا من الشرق إلى الغرب عندما دخل اليمين المتطرف بقيادة «جورج هيدر» في الحكومة النمساوية، ومن منا لا يذكر ما قوبل به هذا الحدث الذي يبدو طبيعيا في إطار ممارسة الديمقراطية وكأنه عاصفة تهدد بقاء أوروبا ووجودها سياسيا واقتصاديا، ولأول مرة تخرج الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عن حيادها تجاه السياسة الداخلية لدولة عضو في الاتحاد، وتطالب بعقاب رادع لكل من تسول له الرضوخ لرغبات أحزاب متطرفة بحثا عن دعم انتخابي، وضما لمقاعد في البرلمان لضمان تمرير القوانين والحكم في هدوء، حتى لو كان هذا الهدوء يمثل قلقا للآخرين. انقلب العالم السياسي رأسا على عقب لمواجهة تقدم «النازية الجديدة» في أوروبا نحو الحكم، ويبدو أن القضية لم تكن انضمام متطرفين إلى الحكم في دولة ديمقراطية من حق الجميع أن يمارسوا حقوقهم الديمقراطية ويشكلون تحالفاتهم من الأقصى إلى الأقصى، أي من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، للجميع حق التعبير في الممارسة الديمقراطية، ويبدو أن الذعر الذي بدا على وجوه زعماء أوروبا وردود أفعالهم تجاه انضمام «النازيين الجدد» واقترابهم من الحكم في النمسا لم يكن سوى ردة فعل حدثت تجاوبا مع ردود أفعال آخرين من خارج الاتحاد الأوروبي، كانت ردة فعل تجاوبا مع ضغوط «لوبي» خارجي لا علاقة له بالسياسة الخارجية الأوروبية بقدر ما له علاقة بأن تصب تلك السياسة في إطاره، ولا اعتقد أن أحدا من المحللين السياسيين فاته أن الصهيونية بكل ثقلها الإعلامي والاقتصادي كانت وراء الذعر الذي أصاب زعماء أوروبا عند وصول النازيين الجدد للمشاركة في الحكومة النمساوية، لأن الشعوب الأوروبية حقيقة لم تبد اهتماما كبيرا لهذا التطور الجديد على الساحة السياسية في بلد مستقل له سيادته الخاصة والخالصة، ولكن قلة من المحللين السياسيين أشاروا إلى هذا وعلى استحياء خوفا أو رهبة من تلك الضغوط التي خشيها واستجاب لها معظم الزعماء السياسيين في أوروبا، مع قلة صامتة أيضا خشية ورهبة من الابتزاز. وربما ما حدث خلال الأسابيع الأخيرة في إيطاليا من تحركات سياسية يؤكد نظرية اليد الصهيونية الخفية التي كانت وراء ردة فعل أوروبا تجاه النمسا، ويكشف بوضوح أن الموقف من الحكومة الائتلافية النمساوية كان بسبب «النازيين الجدد»، أو بمعنى أصح بسبب ما يوصف بوصمة «النازية»، لأن «تجمع» سيلفيو بيرلسكوني وتحالفاته التي وصلت إلى الحكم في إيطاليا لا تقل تشددا يمينا وعنصرية ضد الآخرين عن عنصرية النازيين الجدد، ولكن الاختلاف الوحيد يمكن في أن بيرلسكوني قد أدى واجب الولاء للوبي الصهيوني بتصريحاته العنصرية ضد العرب والمسلمين ليحظى بهدنة مؤقتة مع التحركات الصهيونية في أوروبا التي لا تغفل شاردة ولا واردة. بيرلسكوني يعرف تماما أن تلك اللحظة التي وصل فيها إلى الحكم في إيطاليا لحظة تاريخية حقيقية، لأنها لحظة فقد فيها الشعب الإيطالي توجهاته في إطار متغيرات لا يشرحها له أحد، فالكل يتحدث عن سقوط أيديولوجية وصعود أخرى، ونهاية عصر وبداية آخر، والإعلام الذي يشرح له كل هذا إعلام موجه يديره صاحب الإمبراطورية الإعلامية الوحيدة في البلاد هو بيرلسكوني نفسه، فكان التعتيم على الوضوح سمته، والتشويش على الإرسال والاستقبال من أبرز ممارساته، فمن يستطيع أن يتغلب على من يملك الصورة والكلمة وحده، ويعد بالمن والسلوى في زمن يبدو قبيحا، والمستقبل يهدد اللقمة التي ترفعها اليد إلى الفم. فبيرلسكوني ورفاقه من «القوة الجديدة» وريثة زمن «الدوتشي» موسيليني، يعرفون أن ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك وواشنطن منحهم فرصة ذهبية للهروب من مواجهة مع اليهود كانت محتومة، مثل تلك التي واجهتها النمسا خلال فترة التحالف مع اليمين المتطرف، لذلك كانت ردود أفعاله محسوبة، وعنصريته التي أطلقها ضد العرب والمسلمين كانت تصب في اتجاه محدد تماما، اتجاه يخدم أهدافه هو لا أهداف الآخرين، فهو عنصري تجاه اليهود أيضا لكن اللحظة غير مناسبة لكسب عدائهم، بل الفرصة سنحت له لكسب ودهم كما فعل سابقوه في أوروبا حتى هتلر والدوتشي في بداياتهم السياسية، لذلك الود هنا لا يعني ودا أبديا بل ودا لحظيا، ودا يخدم المصلحة، ويمكنه أن ينقلب عداء عندما تحين اللحظة وتواتي المناسبات. ولان اللحظة غير مناسبة، وما يعلنه بيرلسكوني يبدو متوافقا مع الفكر الجماعي الخفي للسياسيين الأوروبيين، وان كان يصطدم مع الفكر المعلن لأنه يكشف الأقنعة أمام الآخرين فان أوروبا رأت ألا تكرر ما حدث مع النمسا، حتى لا يبدو أنها تتدخل في السياسة الداخلية لدولة عضو في الاتحاد. بل أن أوروبا غفرت لبيرلسكوني معارضته لما يسمى «أمر القبض القضائي الأوروبي» الذي كانت العدالة الأوروبية تبحث عنه منذ زمن، ببساطة لأن زعماء أوروبا، بمن فيهم رئيس الوزراء الإسباني خوسيه ماريا أزنار أول المتشوقين لرفع الحواجز أمام القضاة الأوروبيين لمطاردة أعضاء منظمة «ايتا»، أبدو تفهما لوضع رئيس الوزراء الإيطالي الذي يكاد يكون مطلوبا في جميع المحاكم الأوروبية بلا استثناء، بسبب قضايا فساد وإفساد، وخرق لقوانين مالية وأخلاقية. خوسيه ماريا ازنار رئيس وزراء أسبانيا كان يقف ما بين نارين، نار تسهيل عملية تسليم أعضاء منظمة ايتا المقبوض عليهم في دول أوروبية أخرى في إطار عمليات تسهيل تسليم «المجرمين»، وبين نار إمكانية أن يسقط صديقه سيلفيو بيرلسكوني فريسة في يد القضاة الذين يطاردونه في كل أوروبا، أولهم اسبانيا، وما بين هذه النار وتلك فضل أن يتصرف بيرلسكوني كما يحلو له، وسمح له بزيارة ترفيهية في إسبانيا كما لو كان يتنزه في إحدى ممتلكاته، بينما القاضي «بالتاثار جارثون» يتحسر على عدم تمكنه من الوصول إلى بيرلسكوني ليسوقه إلى مكانه الطبيعي، وهو الزنزانة في انتظار المحاكمة. سيلفيو بيرلسكوني بلا شك محظوظ، فإذا كان الحادي عشر من سبتمبر قد قدم له فرصته الذهبية لإبراز عنصريته ضد العرب والمسلمين لإرضاء اليهود والصهاينة، فقد شاء حظه أن تشهد حكومته اخطر أزمة سياسية داخلية لها تأثيرها على علاقتها مع غيرها من دول الاتحاد الأوروبي باستقالة وزير خارجيته، الوحيد في تلك الحكومة الشاذة الذي يعتبر ميله أوروبيا حقيقيا في حكومة ترى في أوروبا عدوا لها، جاءت هذه الأزمة وقت بدء فترة رئاسة خوسيه ماريا ازنار رئيس وزراء إسبانيا للاتحاد الأوروبي، وازنار كما هو معروف الصديق الوحيد لبيرلسكوني بين كل السياسيين الأوروبيين، بل أنه هو صاحب الفضل في فتح صالونات السياسة الأوروبية أمام رجل الأعمال والسياسي الإيطالي الذي يرى في الحكومة مجرد مدير أعمال ومروج للشركات، أما دور الحكومة التقليدي في تسهيل وصول الخدمات إلى الجماهير فقد انتهى، في رأيه، مع بدء زمن العولمة وهيمنة رأس المال على السياسة. عندما قرر بيرلسكوني تولي حقيبة الخارجية إلى جانب رئاسته للحكومة تحول إلى ما يشبه «إمبراطور روماني» قديم يملك كل شئ، وله الحكم المطلق، لكن خوسيه ماريا أزنار لم يجد في هذا الدور الجديد شذوذا، بل وجد فيه دورا طبيعيا لا بد من دعمه، لأن الرؤية الحقيقية لدور الدولة التي يعتقد فيها رئيس وزراء إسبانيا لا يختلف كثيرا عن الدور الذي يدعو إليه رئيس وزراء إيطاليا. دور الدولة لديهما يجب أن يخرج عن تسهيل وصول الخدمات إلى الجماهير وأن يغير اتجاهه ويتحول دور الدولة إلى مجرد «مروج» لسلع شركات الوطن، أي أن تصبح أهم الوزارات السيادية وهي وزارة الخارجية من لعب دور دبلوماسي للحفاظ على مصالح الوطن إلى مجرد مكاتب تجارية تمثيلية تروج للشركات الوطنية وتساعدها على تحقيق أهدافها بغض النظر عن قيام تلك الشركات بدور وطني أم لا، أو أن أرباحها تصب في خزينة الوطن أم أنها تصب في خزائن أخرى. لكن لا يبدو أن تلك الأزمات التي لعب فيها بيرلسكوني الدور الأكبر قد غيرت من توجهات البعض في العلاقات السياسية، فإذا كان الصهاينة رأوا أن تغيرات حدثت بفعل الحادي عشر من سبتمبر يجب انتهازها لتحقيق المزيد من المصالح، فإننا نحن هنا في المنطقة لا نزال نعتقد ان المتغيرات بعد سقوط برجي نيويورك لم تحدث بعد، لذلك أبدى زعماؤنا تفهما لتصريحات بيرلسكوني، وحاول بعض محللينا السياسيين تبرير ذلك العداء لنا من جانب بيرلسكوني على أنه «زلة لسان» فيما يؤكد الرجل أن هذا هو ما يعتقده حقيقة، بل أكد أنه يتحدث بلسان العقل الباطن لأوروبا. ترى هل السياسة الدولية متغيرة؟!، السؤال مطروح ويبدو أنه سيظل مطروحا. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا