العمر الأجمل والأطهر هو ما يقودني من يديّ إلى ذلك الحي الذي ولدت وبنيت فيه تفاصيل ذاكرتي البكر، هذه الذاكرة التي تسيج نفسها وأسيجها باستمرار بحنين لا يهدأ ولا ينتهي، هي الذاكرة سر توقي الذي لا يصدأ لحارات اللهو القديمة، وكلما هممت إليه يأتيني صوت دافئ يقول لي باشفاق: لماذا هذا الاصرار على امتحان حنينك؟ وكنت أخشى ان ينكشف سر التوق وسحر الحنين، فهو الرفيق الوحيد الماضي في داخلي بذات العنفوان. ولولا سحر الحنين هذا ما كان اصرار شاعرنا الكبير «أبي تمام» وما كان قوله: كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبداً لأول منزل انها تركة العمر وحرائقه الضاجّة في موقد الذاكرة، انها الجمار التي لا تخبو ولا تستكين، انها دفء التذكارات الموشاة بالوجوه المنسية والأصوات التي غابت في ضباب الأيام، وبهذه التركة ذهبت وبهذه الذاكرة جلست مطلة على أزرق مترام ممتد أمامي إلى ما لا نهاية عبر زجاج ذلك المطعم الأنيق في ذلك الفندق الفخم، الذي كان فيما مضى أرضاً من تراب أبيض كاللجين شهدت عبثنا وصراخنا وشقاوات بلا حدود. وانثالت دون ان أدري أصوات نوارس البحر من نوافذ العمر الذي كان، فما ان أطأ تلك المنطقة التي كان فيها حيّنا ومنزلنا القديم حتى تستعيد الذاكرة عنفوانها، وتفتح صناديقها لتطير منها أصوات الصبية الذين كانوا كلؤلؤ البحار، الصبية الذين كناهم ذات عمر، يوم خفقت قلوبنا قبل أقدامنا على «سيف البحر» نجمع المحار والعلب الفارغة وحصى البحر الصقيل، ونضحك كثيراً كلما تبقعت اقدامنا الصغيرة بقطع القار السوداء، دون ان نعلم شيئاً عن تلوث البحر والسفن الأجنبية و... ما كنا نعلم بأن عمراً سيأتي سيرحل فيه الياسمين نحو رؤوسنا وسيتوشحنا العمر بكآباته ودروسه الثقيلة التي لم نفهمها حتى هذه اللحظة.. وتعود الأصوات تغرد في سماء الذاكرة ومعها تغرد أسماء الأصحاب والصويحبات الصغيرات، حتى اسم البائع في دكان الحي ما زال اسمه محفوراً برغم انه كان يستولي على نقودنا القليلة لقاء أشياء تافهة، وبرغم غضبنا منه باستمرار! ورحل الذين احببناهم صغاراً، وبقيت أصواتهم.. يا قوم أُذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحياناً فإن كان قالها بشار بن برد منذ قرون لأنه كان كفيفاً رهين محبسيه، فقد صدق حتى وان لم يكن كذلك. وما زلت في ذلك المطعم الذي فتح فضاءات الذاكرة أمامي، فصرت أرى ساحات حيّنا القديم، وأزقته الضيقة ومنازله القديمة، ورجالا ونساء وعجائز كنت أحبهم، وضعت يدي على الجدران الأسمنتية المليئة برسومات الفحم، وعلى الأبواب الخشبية المهترئة لسعتني برودة الطرقات وسمعت قطرات المطر وهي تتساقط من أطراف البيوت.. لقد تدفق الزمن بكثافة عجيبة، حرق كل المعالم التي أمامي، وأنبت كل الركائز التي تسند الذاكرة إلى مرابع الأمس ومرافئ الحنين، ولذلك خرجت من الفندق، مسرعة إلى المكان الذي كنت أحرثه طفلة صباحاً ومساءً مع رفاق لا يعرفون الضجر أو النوم أو التعب، فما لبثت ان أفقت على لا شيء مما كان.. وأيقنت انني أزور مكاناً لا يعرفني ولا أعرفه، لا يشبهني ولا أشبه من فيه، وهكذا لم يعد ممكناً أن أبقى في المكان طويلاً، فما عاد بالامكان ان اقتفي آثار خطايا الأولى التي التهمها الاسمنت والحجر وأشياء أخرى! لم يفشل القلب في التعرف على خفقانه، لكن اليد والعين فشلتا في قراءة تفاصيل المكان، فقلت لما كان (فريجنا) القديم أودعه: لا أنت الذي كنت ولا الزمان هو الزمان ثم اعتصمت بدمعي وحنيني وخرجت!