من حق القوي أن يسحق الضعيف من أجل كسر إرادته وتطويعه. أما مبدأ الشرعية فلا يسري مفعوله الا بالقدر الذي يخدم القوي. هذا هو مضمون الفلسفة الامريكية للمفهوم التطبيقي للارهاب. وانطلاقا من هذا المفهوم باتت مبادئ القانون الدولي وما ينبثق عنها من مواثيق ومعاهدات واعلانات تتمحور حول حقوق الانسان تتأرجح دوما بين الاخماد والاحياء وفقا للمصالح الانتقائية المتغيرة للاقوياء ونزواتهم. وبناء على هذا المفهوم الأمريكي فان «11 سبتمبر» ليس علامة فارقة حاسمة بين عهدين. فأحداث «الثلاثاء الأسود» رغم فرادتها الرهيبة وطبيعتها الزلزالية تبقى بعد استقرار الغبار رد فعل وليس فعلا بالأصالة. وليس المقصود في هذا السياق هو تبرير او عدم تبرير أي هجوم على أهداف داخل الارض الامريكية وانما مجرد محاولة لفهم ما حدث وتفحص ما اذا كان ممكنا وضعه ضمن سياق عام ـ ايا يكون السياق. ان العالم لا يعرف حتى الآن على وجه الدقة واليقين القاطع ـ رغم صراخ السياسيين الامريكيين ـ من هم اولئك النفر الذين دبروا ونفذوا خطة مذهلة لتدمير أهم معلمين في نيويورك وواشنطن. لكن العالم يعلم حلقات المسلسل الطويل للاعتداءات الأمريكية الاستفزازية حول العالم ابتداء من الحديقة الخلفية للولايات المتحدة ـ اي بلدان امريكا الجنوبية ـ الى فيتنام في اقصى آسيا مرورا بالشرق الاوسط وافريقيا. بايجاز.. اذا كان هناك من يمكن ان يطلق عليه «نجم الارهاب» في هذا العصر بالمعنى الاعتدائي الصريح فهو الولايات المتحدة الامريكية. في العلن دخلت الولايات المتحدة كشريك جريمة في تمويل حركات ومنظمات لاسقاط انظمة حكم منتخبة ديمقراطيا او على أية حال مقبولة شعبيا. فدعمت تنظيم «الكونترا» للاطاحة بنظام اورتيجا في نيكاراجوا، وكانت وراء تدبير الانقلاب العسكري في شيلي بزعامة بينوشيه الذي اقصى الرئيس المنتخب الليندي وأعدمه. وشنت اكثر من حملة لمحاولة الاطاحة بنظام كاسترو في كوبا. والسجل الامريكي في آسيا من انقلابات وانقلابات مضادة ليس اقل شأنا من السجل المماثل في أمريكا اللاتينية. وكلا السجلين يحفل بما يستعصي على الاحصاء من حالات الاغتيال السياسي من تدبير وتنفيذ وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية. وعلى خط مواز ظلت الولايات المتحدة تحمي بالقوة العسكرية وقوة المال انظمة استبدادية مفروضة على شعوبها فرضا. فالانتقاد الامريكي لوضع حقوق الانسان والقائمة الامريكية للدول «الراعية للارهاب» لا يطالان مثلا نظام يوري موسيفيني في يوغندا الذي يحظر بصرامة دموية نظام التعددية الحزبية، ولا نظام الدكتاتور بول كاجامي في رواندا الذي لا يستهويه شيء مثل ارتكاب مجازر جماعية. نفهم اذن لماذا تعرقل الولايات المتحدة أي مسعى دولي داخل الأمم المتحدة او خارجها يهدف الى وضع تعريف محدد للارهاب متفق عليه عالميا وملزما للجميع. فأي تعريف محدد سوف يفضح الطبيعة الانتقائية للمشروع الامريكي العالمي «لمكافحة الارهاب». اللا تعريف هو الملائم للسياسة الامريكية وأهدافها. ففي غياب التعريف لن تتعرض واشنطن لتساؤلات محرجة. فيكفي ان تقول مثلا ان «حماس» او «حزب الله» تنظيم ارهابي دون ان تكلف نفسها ابراز أدلة معينة طالما بقي مفهوم الارهاب نفسه ضبابيا. وبنفس المنطق يكفي ان تصف واشنطن الممارسات الاسرائيلية القمعية ضد المقاومة الفلسطينية بأنها «دفاع مشروع عن النفس»!