بعيداً عن الشعارات المجوفة التي يطلقها البعض، والتي غالباً ما نقع بها جميعاً ليس بسبب الضبابية بالرؤية ، بل بسبب استخدام الاعلام كسلاح في مواجهة الغطرسة وشحذ الهمم، يمكننا القول من خلال رصد الوقائع الصراعية الفلسطينية ـ الاسرائيلية، وما تبعها من تكتيكات سياسية ـ ادارية واجراءات أمنية فلسطينية داخلية ،ان شارون بمؤسسته الأمنية ـ العسكرية، وبالمكنة الدبلوماسية الاستثنائية التي يقودها شمعون بيريز ،قد تمكن من اكتشاف نقاط الضعف الفلسطينية بحيث بدأ ينظم خططه الهجومية على أساس من اكتشافه هذا. بالتوازي جنباً الى جنب لكسب رضا الكثير من الأطراف الدولية والاقليمية عبر دبلوماسية بيريز النشطة، لشرعنة هذا السلوك الجهنمي التي تمارسه آلة الحرب الاسرائيلية، من خلال الذرائع الواهية التي نجحت اسرائيل في تسويقها دولياً والقائلة بمحاربة الارهاب الفلسطيني، كمقدمة لارساء الأسس الصالحة لعودة التفاوض بين السلطة الفلسطينية واسرائيل. أما فيما يخص نقاط الضعف الفلسطيني ، فقد تمثلت في: أولاً: بدأت السلطة الفلسطينية، بممارسة تكتيكات سياسية خلاف المألوف، وهذه التكتيكات اعتمدت بالونات الاختبار الخطيرة، التي تمثلت في محاولات اظهار الجانب الفلسطيني الرسمي بأنه يمتلك القدرة الكافية على فصل حركة فتح «حزب السلطة» عن جسم مؤسسات السلطة، وابقاء المؤسسات الأمنية الفلسطينية صاحبة العقد والربط .بالاضافة الى اظهار الامكانية المطلقة في لجم القوى الفلسطينية، بمعزل عن اتجاهاتها السياسية والأيديولوجية، من خلال خطاب وحدانية القرار الفلسطيني، ووحدة المرجعية الفلسطينية، والتي كانت هذه القضية بحد ذاتها تشكل أكبر هاجس أمني اسرائيلي، بل أكثر من ذلك، كان تعدد الشعارات والاختلاف الفلسطيني في اطار الوحدة الكلية ،التي يسميها البعض الوحدة النضالية على الأرض، سلاح ضغط هائل دأب الفلسطينيون على توجيهه، ضد الغطرسة الاسرائيلية التي تسعى الى تيئيسهم، كمقدمة للقبول بالشروط الشارونية. ثانياً: حملات الاعتقالات الفلسطينية ـ الفلسطينية، بالتزامن مع كل مطلب يعلنه شارون، بحيث تسارع القوى الأمنية الفلسطينية، الى اقتحام بعض أحياء المدن والقرى والمخيمات لاعتقال كوادر الأحزاب الفلسطينية الاسلامية وخلافها من قوى وطنية وقومية ويسارية، دون ان يقدم شارون أية خطوة من شأنها ان تقنع الشارع الفلسطيني بهذه الاجراءات ولو بشكل جزئي .بحيث كانت جل هذه الاجراءات تتمحور حول المطالبة الفلسطينية الى العودة لطاولة التفاوض دونما برنامج تفاوضي فلسطيني واضح، هذه القضية خلقت حالة من عدم الوحدة النضالية، وقد ظهرت بوادرها بشكل واضح في مدينة نابلس بعد قتل أربعة من كوادر حماس مؤخراً، هذا الأمر بالذات دفع كوادر حركة فتح «حزب السلطة» مثل عضو اللجنة الحركية العليا في الضفة وعضو المجلس التشريعي «حسام خضر» في اتهام بعض أجهزة السلطة بالتواطؤ مع هذه الاجراءات القمعية .وقد رأى شارون وغيره في اسرائيل بأن هذه الخطوات الاجرامية، بدأت تأتي أوكلها، وأنه لا بد من الاستمرار بها، مع استخدام مقولة «ان الرئيس ياسر عرفات ليس شريكاً لاسرائيل في صنع السلام»، بدعم أمريكي مكشوف للعيان، تمثل بتوسيع هامش عدوانية شارون، والذي بدأ باقتحامات متكررة للكثير من المدن والقرى الخاضعة لسلطة الحكم الذاتي الاداري . ومن قبيل التذكير ان هذه الممارسات دعت بعض ممن يطلقون على أنفسهم التيار القومي الجديد، مثل الدكتور ادوارد سعيد والدكتور حيدر عبد الشافي «عضو الوفد المفاوض في مدريد» والدكتور مصطفى البرغوثي وابراهيم الدقاق والشاعر محمود درويش والبرفسور علي الجرباوي والبرفسور زياد أبو عمرو والبرفسور أحمد حرب وغسان الخطيب والمحامي رجا شحادة وعضو المجلس التشريعي راوية الشوا وكمال الشرافي والكاتب حسن خضر وغيرهم، الى اعلان بيان يدعوا فيه الفلسطينيين الى توحيد صفوفهم والمقاومة والعمل على انهاء الاحتلال غير المشروط للاحتلال الاسرائيلي، دون ان يتطرق البيان الى أوسلو أو العودة اليه . بل ذهب هؤلاء المفكرون الى اعتبار ،أن التفاوض من أجل التحسين في الاحتلال مساو لاطالة أمده . فلا يمكن للسلام ان يتحقق الا بعد ان ينتهي الاحتلال . ثالثاً: خلقت بالونات الاختبار الفلسطينية التي وجهت الى الحكومة الاسرائيلية، مثل القضية التي طرحها سرّي نسيبة، بامكانية التخلي عن حق العودة، اذا ما حاولت اسرائيل العودة الى طاولة التفاوض على أساس من تقرير ميتشل وخطة تينت، مناخين متناقضين، مناخ اسرائيلي يقول بامكانية ممارسة أقصى درجات الضغط للحصول على تنازلات أكبر من ما كان متوقعاً، وهذا الأمر بحد ذاته خلق توافقاً أو اذا شئت انسجاماً، في الحكومة الائتلافية الاسرائيلية حول هذه القضية، هذا اذا ما قلنا ان التكتيكات الفلسطينية، أحرجت بعض الاتجاهات الاسرائيلية على قلتها المطالبة، بضرورة قيام دولة فلسطينية وبتوقف شارون عن ديمومة ارتكاب المجازر ضد الشعب الفلسطيني .أما المناخ الفلسطيني، فقد بدأ يعيش حالة من التشكيك تمثلت بشكل مكشوف في حرب البيانات والتصريحات، التي تطالعنا بها وسائل الاعلام على اختلاف مشاربها، وبعد ان تبين ان الأثمان التي يطالب بها البعض الفلسطيني من أجل التوقف عن الصراع الدائر الذي كان يسمى صراع الاستقلال واعلان الدولة المستقلة في بداية الانتفاضة .وقد زاد تأثير سلبية هذه التكتيكات والسياسات، حتى طالت بدورها الموقف العربي، حيث بدأ العرب يعيشون حالة من الفصام السياسي، ازاء هذه التكتيكات وبالونات الاختبار، بصرف النظر عن التقصير العربي الملحوظ، بحيث بدأ تعود المواقف العربية بعد ان بلغت ذروتها في بداية اندلاع انتفاضة الأقصى قبل عام ونصف العام الى نقطة الصفر، انتظاراً لما قد يختطه الفلسطينيون من مواقف سياسية جديدة، ليبني النظام العربي على هذه المواقف مواقفه المستجدة، تحاشياً من المجازفة أو الاجتهاد الذي أصبح يكلف الكثير ، وتحديداً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي، وما تلا ذلك من شماعة الارهاب ومساندته الى أخر ما هنالك من تسميات واتهامات. هذه الأمور مجتمعة أوصلت شارون لنجاحات لم يكن يتصورها كما أسلفنا، في ضبط ، على أقل تقدير، خصومه المحليين وابقاءهم ضمن دائرة المراوحة؛ بحيث بدأ شارون يرى بضرورة الانتقال الى الخطوات الأكثر فاشية ازاء اخماد انتفاضة الشعب الفلسطيني، أي دفع الأوضاع الى النقطة القصوى في الحرب على الانتفاضة، بحيث وضع حتى الأصوات الأمريكية المتوازنة المنادية بتخفيف حجم حالة التوتر والاحتقان، في مساحة ضيقة جداً، مستغلاً الانشغال الأمريكي الكلي بما يسمى بالحرب ضد الارهاب، أمام وضع لا يسعها معه الا تأييد سياسات شارون الأمنية وتسديدها بشرعية دولية مؤداها حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها . بالاضافة لذلك، ان الخطاب الاعلامي الفلسطيني، البعيد عن أي توجه أو برنامج سياسي، والذي نادى على الدوام بضرورة حماية مؤسسات السلطة، قد فتح عيني شارون على هذه النقطة القاتلة بالاتجاه الآخر، بحيث أدرك شارون ان غاية الخطاب الاعلامي المطروح فلسطينياً بموازاة قضية التمثيل ووحدة القرار وغيره، الحفاظ على الصروح السلطوية بمعزل عن أي اعتبار آخر، فبدا يرى شارون ضالته بالتدمير المنظم لهذه الصروح المشادة سعياً لاخضاع الطرف الفلسطيني . أي ان شارون اغتنم الفرصة المتاحة التي وجدت بالحجر الفلسطيني المشاد على حساب البشر، مما جعله يقود حربه ضد الأبنية بداية من المطار مروراً بالمرفأ ومبنى الاذاعة في مدينة رام الله مؤخراً، وسيلة سياسية مريحة ومحطاً لكسب المغانم السياسية . هنا يكمن التساؤل، مالذي قد يكفئ شارون عن غلوه واندفاعه باتجاه ممارسة الارهاب المنظم ؟ صحيح انه لا يحق لنا صرف الروشيتات والوصفات الجاهزة والمعلبة عن بعد، لكن ما يعنينا القول ان التجربة علمتنا جميعاً فلسطينيين وعرب بأن أي تراجع من قبلنا، سيفتح خطوة اضافية للآخر باتجاه التقدم وملء الفراغ الذي يحدثه هذا التراجع، بمعنى آخر ان التراجع ولو بسيطاً يضع على كاهل الآخر التقدم وهذا الشكل الاضطراري أو اذا شئت الحتمي لفهم طبيعة الأشياء وما تمليه الوقائع، وهنا لا بد من التمترس بالأمكنة على أقل تقدير ولا أقصد الجغرافيا وحسب، بل أقصد التمسك بالأهداف السياسية وعدم احداث الثغرات والثقوب في جدار الصد الفلسطيني، الذي يسمح لشارون بالتسلل عبرها في تمرير سياسته . بمعنى أوضح رغم شراسة الرقابة هذه الأيام، لا بد للفلسطينيين، وأعني بالفلسطينيين السيد الرئيس عرفات، من التخلص من سياسة القبض على العصى من المنتصف لان هذه السياسة ألحقت بالنضال الفلسطيني الكثير من الهزائم، وأن وحدة المؤسسة السلطوية وديمومة استمرار دورها في التلاحم الكفاحي على الأرض مع كل القوى الوطنية والاسلامية المنتفضة، بعيداً عن الحسابات الضيقة، في حماية هذا المبنى أو ذاك، والعودة مرة أخرى لاستحضار تجربة الانتفاضة في بداياتها، بحيث توحد الفلسطينيين والعرب ولاول مرة حول شعار الانتفاضة والمقاومة، هو الحل الكفيل في كفئ شارون وغيره في الامعان بديمومة ممارساته الارهابية ضد الشعب الفلسطيني، ووضع الحقائق جميعها على طاولة البحث في كل عواصم القرار .لكن السؤال الآخر هل يعي الفلسطينيون هذه الحقيقة، أم أنهم سيدخلون في مهاترات جديدة تضيع عليهم كل ما عمدوه بدمائهم؟ ـ كاتب فلسطيني