قابلت خبيراً عربياً في علم المكتبات في أحد المؤتمرات، وكان أحد الضيوف الذين أعدوا ورقة علمية لتقديمها ممثلاً عن احدى دول الخليج، وقد تحدث باسهاب عن بحثه الذي قضى عمره العلمي في تأليفه، وقد مر عليه الآن أكثر من عشر سنوات ولم ير طريقه إلى النشر والنور، علماً بأنه الوحيد من بين رفاقه وزملائه المتخصص في ذلك العلم الدقيق. هذا النوع من الظلم الخاص بنشر الكتب في العالم العربي والصبر عليه لإطالة أمده، أخر كثيراً من مساهمة هذا العالم الثالث والذي يوشك ان يتأخر إلى الرابع لأن هناك أمماً آسيوية بدأت تلج سلم المعرفة الصحيحة وتنافس العالم العربي على هذا الترتيب العالمي المفروض علينا، فإذا كانت ثمرات الاقلام والعقول لا تصل إلى المعنيين من الجمهور والخواص في الوقت المناسب، فمتى تتم عملية التراكم المعرفي في عالم العرب ومن ورائهم المسلمون؟ ان وزارات الإعلام ودور الكتب الوطنية والجهود الذاتية لا تلاحق عطاءات العقول وابداعاتها اليومية في مسايرة تطور المعرفة العالمية التي لا تنتظرنا حتى تقع مخلفاتها على رؤوسنا فلا نشعر إلا وقد فاتنا النصيب الوافر فنرضى بالاستهلاك المجرد للمنتجات الفكرية والاقتصادية في آن واحد دون الولوج إلى الانتاج الذاتي لمعارفنا المركونة في زوايا النسيان، فالوضع بحاجة إلى هيئات متخصصة وميزانيات ضخمة تساعد العالم العربي والإسلامي للوقوف على ابداعات الآلاف من أبنائه الذين لا يملكون وسيلة لإبراز ثمار سنوات رحلة العلم لنفع الأمة جمعاء. فمن قريب أقر مجلس الوزراء الموريتاني قانوناً لإنشاء صندوق للنهوض بالكتاب والمطالعة خصصت له موارد مالية بقيمة 4.2 ملايين دولار، لتسليح المواطن الموريتاني حيثما كان بما تستلزمه معركة التنمية والتقدم من مستوى معرفي ومن أدوات علمية يستحيل الحصول عليها دون الرجوع إلى مصادر العلم وفي مقدمتها الكتاب، وأما أسلوب التمويل فإنه سيتم عن طريق خصم نسبة ثلاثة بالمئة من بنود تسيير المؤسسات الحكومية. خطوة موريتانية صحيحة لاعادة الاعتبار إلى الكتاب وهو المصدر الرئيسي للمعرفة البشرية منذ بدء الخليقة، وتؤكد كافة الأبحاث العلمية الحديثة في عصر المعلومات بأن الكتاب ما زال هو الأول مقارنة بكل مصادر المعرفة المتاحة ولأسباب معروفة لدى عشاق هذا المصدر. لكن هناك الكتاب المخطوط سواء كان على الأوراق الصفراء القديمة أو البيضاء الحديثة، أو على الاقراص المدمجة إلكترونياً ينتظر من ينتشله من هذا المصير المخطوط إلى عالم الطباعة والنشر والتوزيع، فالحاجة إلى آلاف الصناديق الموريتانية ملحة واعتماد مبدأ حسم 3% من إجمالي موارد الحكومات العربية لهذا الغرض قد يوفي لبداية النهضة بالكتاب. -Mail: DrAbdulla@albayan.co.ae