أربأ بنفسي أن أكتب عن فيروز خارج اطار الدهشة والإعجاب. كما أنأى بتلك الجمل التي سأوردها عن صيغة التقليل أو التصغير. بيت القصيد انني استمعت إلى شريط جديد صدر حديثاً لفيروز بعنوان «وِلا كيف» وضع كلماته وموسيقاه زياد الرحباني الابن البكر لفيروز، وأول من أخرج صوتها من الدائرة الملكية لأغنية الأشجان والصباحات إلى عالم من الجاز والبلوز وكلمات خفيفة الروح اجتماعية المقصد كما في «هدير البوسطة» حيث حدثت تلك الانعكاسة في مسيرة صوت ظل ثلاثين سنة رفيقاً للصباح وللقهوة ولقرصة البرد قبل التوجه إلى المدرسة أو العمل، وعندما حدثت تلك الانعكاسة لم يكن زياد الرحباني مألوفاً، كما لم تكن الأغنية العبثية صوتاً مسموعاً عربياً في حين كانت أغاني العبث تحقق رواجاً منقطعاً في أوروبا مع موجة ردات الفعل على خواء الرأسمالية من مشروعها ومحتواها الانساني، فكان جاك بريل المغني والشاعر البلجيكي واحداً من أبرز الذين عبّروا عن ذلك العبث، وكانت أغنيته «لا تتركيني أبداً» خير سفير بين الشبيبة العالمية باعتبارها قمة الخسارة على صعيد الوحدة أو منتهى اليأس على صعيد الفقدان، ولعل السخرية التي حملتها تلك الأغنية كانت كافية لتُقدم بعدة لغات ولتصبح واحدة من عشر أغنيات خالدات تتصدر سنوياً لائحة الأغاني الأكثر انتشاراً في العالم. عبث جاك بريل وازاه على المستوى العربي عبث زياد الرحباني فحكاه وقلده، فكانت أغنية «هدير البوسطة» وقبلها مسرحيات ساخرة، فيها انتقاد لاذع للذات وتعبير شديد عن فراغ المرحلة من جدّيتها وسقوط المشروع القومي عربياً، وحينذاك تردد صدى زياد الرحباني كإضافة في الشأن الرحباني بخصوصيته وفرادته، ولن أنسى ما حييت مقاطع كاملة من مسرحية «نزل السرور» أو من أغنية «أنا مش كافر» أو من المسرحية الأبرز «بالنسبة لبكره شو» حيث تبدت عبقرية زياد الرحباني في نقل الانسان من شخص ناقم إلى شخص ساخر، والسخرية عندما تكون موجهة للذات تصبح الحياة أقل قسوة، وأكثر تقبلاً أو تصالحاً. إلا ان .. اصغائي الأخير لشريط «ولا كيف» لم يأت في هذا المستوى من التقبل والتصالح، حيث ان صوت فيروز ليس مؤهلاً للأغنية العابثة التي تغيب فيها انحناءات الصوت الملائكي وتحضر في المقابل جمل مباشرة مبتورة الآه، قليلة الاشباع وكأنها تعليق اخباري على خلفية ايقاعات الجاز الذي يذكر المرء بأغاني البلوز أو موسيقا المقاهي الليلية في شوارع خلفية حيث عازف يائس على البوق ينفث فيه الوقت لينتهي، أو ضارب بيانو اهترأت أصابعه على المفاتيح لشدة الظلام والدخان والصخب، فلا هو يبدع ولا رواد المقهى يصغون! هذه ليست فيروز! نعم، هو صوتها، ولكنه خالٍ من عذوبته، وخال من معناه الشجي الذي يترك في الروح أسى شفيفاً جارحاً يدفعنا إلى حب الحياة والانتصار لها، هذه ليست فيروز التي غنت من قبل «سلم لي عليه» لزياد، واعتقد جازماً ان زياد لو استمر على نهج تلك الأغنية لقدم انجازاً أهم بكثير مما انتظره من هذا الشريط «ولا كيف». لقد غابت فيروز هذه المرة، ولا عزاء لنا سوى في ذلك الكم الخالد من الأغنيات التي يهرع إليها الانسان كلما سمع نشازاً أو تقطعت به سبل الطريق.. كان صوتها دليلاً يقوده إلى هدفه بثقة العاشق ورحابة العارف. ولا سؤال يتردد في الذهن عندما يشاهد المرء غلاف الشريط ويسمع محتواه سوى ان يقول: أين فيروز؟ E-mail: H-S-D@maktoob.com