ضجر ماركيز من صمت المثقفين العرب عما يجري في فلسطين وعن جوائز السلام الممنوحة للسفاحين والقتلة، وقبله ضجر الجميع من الصمت العام، وبعده فانه لا ضجر، بل توهان في سلة الاستسلام الرخيص. واذا كان ماركيز هذا الروائي والاديب الذي يرفض نوبل الان، ويطالب بمنحها للسفاحين والمجرمين لتأكيد اجرامهم قد حمل المثقفين والادباء العرب راية النعام لانهم يدسون رؤوسهم في الوحل والطين، دون قول وممارسة الحقيقة، فانه ايضا يحمل العالم كله اسباب فواجع الشعب الفلسطيني الذي يباد علنا وتستباح ضده كل انواع القهر والظلم والجور.. لكن ماركيز الشفاف ليس من عالم اليوم، بل عالمه الذي يعج بالانسانيات من خلال ما يكتب وما يتنفس هو عالم متأخر، فاته ان يعيش في هذا الزمن الذي تحكمه الصواريخ الباليستية متوسطة المدى والعابرة للقارات.. ان الزمن الذي يرفض اعطاء جوائز السلام لجزارين ومرتزقة الانسانية ليس هو زمن ماركيز، لهذا سيوقع بيانه لوحده، ولهذا ايضا سيجد نفسه مضطرا لكيل السباب للمفكرين والمثقفين والادباء العرب لانهم الاكثر صمتا تحت ظلال تلك الصواريخ التي فاق طولها طول مآذن السلام. امام بيان ماركيز وامام خطاب اقوى دولة تقود العالم تحت رايتها، بل تهش عليه ما يهش الراعي على اغنامه، رقعة الابيض والاسود، والاثنان مصير، فهل يطلب ماركيز مصيرا غير هذا الواضح جدا..تهش دولة الصواريخ والدولار بعصاها العالم، تطلي الجدران بالسم لقتل الفئران، وتطلي الجدران نفسها بالحلوى لتربيتها وتسمينها، صاروخ فوق رأسك، صاروخ تحت وسادة نومك، وقنبلة قابلة للانفجار في أي لحظة على حدود الدار.. مثقفونا يا سيد ماركيز ما عادت لهم في القصائد والروايات مساحات واسعة كي تلتقط هواتفهم النقالة النبض الحي، هم في بحر الاستهلاك اسهل كثيرا على الصيد، وهم في هذه الرفاهية المطلقة مجففون كأسماك السردين. وقع بيانك وحدك هناك مع ملايين من الذين يتمنون مشاركتك اياه لكن اقلامهم قد قزمتها رائحة البارود ورائحة الدولار ورائحة البارفانات العصرية التي تفوح من هذا الفضاء كله. لا تسأل كم من الاطفال الذين دهستهم دبابات شارون وبيجن، فهناك من يجيد تماما اغلاق الملفات، وهناك من يجيد ابتداع التقارير الاشد فتكا من كل الروايات والقصائد والتماعات الفكر والادباء.. لا تسأل لمن تمنح جوائز السلام، ولمن ستمنح في المستقبل، لان السلام الذي تعتقده خلاياك صار خارج الطبيعة، بل خارج عنها.. لا تسأل لماذا تتكلس الاصابع على زناد الحقيقة في هذا العالم المتأزم بعصر «الفتوة» العابر للقارات.. فالصورة على سطح النهر زائفة، والمسافة بين رامبو الشاعر، ورامبو «هوليوود» شاسعة جدا.