كنا صغاراً يحرقنا الشوق واللهفة متى نكبر ونكبر، متى نصل الأربعين، ما أطول المسافة. وصرنا شباباً، زادت اللهفة، متى تأتي الأربعون، ان عندها معنى الرجولة، يسكن في سنواتها الوقار، ويحل في ظلها النضج وتتحقق الأحلام، وكلما كبرنا، كلما اقتربنا منها أكثر، قلّ الحماس وما عاد الشوق فينا كما كان يوماً، بل ما عاد فينا أبداً! وعدنا نحسب الأيام هذه المرة نحاول ان نباعد بيننا وبين الأربعين، لا نتمنى ان نقترب منها، لا نشتهي ذكرها، نسعد كلما طالت السنة ووجدنا قبلها أو خلفها بقايا أيام متناثرة نجمعها على الحسبة، تعيننا في مد المسافة عن سن الأربعين. حل فينا الخوف ونار الانتظار، وتحول حلم الطفولة وأمنية الشباب إلى شبح نخاف ان نصله سريعاً. هواجس ما قبل الدخول في العقد الجديد تجعلنا نضع كل ما يدور فينا وحولنا تحت عدسة الزمن، تلك التي لا نفطن لها إلا عندما نكبر كثيراً، من محاسن الحياة اننا لا نلتفت لما فينا في صورة العدسة المكبرة مبكراً، لو فطنّا لآذتنا الحقائق أو ضلالها، ولعشنا أعمارنا نرقب انعكاس ما في المجهر. فماذا يبحث أولئك الذين يقتربون من خط الأربعين؟ يشغلون حواسهم على غير العادة يبحثون عن لسعة ألم في مكان ما من الظهر أو قرب عظمة الساق، أية وخزة وأية طقطقة في أي موقع من الجسم هي لهم مؤشر خطر، نذير بدايات شيخوخة أو مرض مزمن. ما هو أصعب من أوجاع وأصوات المفاصل عندهم؟ هو تغير محاسن الوجه إذا تلوى ولو قليلاً، ظهرت فيه تعرجات أو خطوط، تبدلت مساماته، ذلك كفيل ان يجلب لصاحبه المرارة في الليل، يغطيها في نهاره بالدهون والمراهم، أما إذا ظهرت شعيرات بيضاء في ذقنه الأسود، فإنه سينام والهمّ معه في أيامها الأولى، سيحتال عليها في البداية، سيكثف الشعر الأسود حولها، سيسمح للحلاق ان يرسل ملقاطه يقتلعها من جذورها، يظن انه يسد منبتها، إذا تكاثرت ـ ولا بد من ذلك ـ فإنه سيخفف جميع لحيته، كأنها غير موجودة، بعد ذلك سيكون خياره الأخير، ان يصبغ وجهه يواري لحيته البيضاء. هموم الداخل لا تقل وجعاً: تبدو مشاعره أكثر حساً ورهافة، مساحة الرضا تقل أمام محيط الزعل الذي يتمدد ليشمل أشياء ما كان ليقترب منها في سالف العمر. كل الذين قربه أو من تجمعه بهم المنافع أو حتى أولئك الذين لا يكن لهم الود، جميعهم يتبدلون عنده، يزيد منهم نفوراً، يبدأ يحسب المواقف ويزن الكلمات التي يسمعها، موجهة نحوه، تخصه هو، إن كانت مُحبة أو التي لا تكون كذلك، فكل العبارات لها اشارات. أصعب أنواع الزعل ذلك الذي يتملكه نحو نفسه، يلومها بمرارة: أين كانت كل هذا العمر؟ أين هو؟ طيف الأمنيات حلّق بعيداً، والذي وصله من الدنيا مجرد منغصات، لقد تغيرت الأحلام الوردية التي أقبل بها، إلى أخرى ذات ألوان قاتمة، نهايتها انها أصبحت أضغاث أحلام لصاحبها، بدّلت الحياة جلده، سرّها ان تعطيه الشقاء، تفتح له أبواب الجحيم والتعب، تولّد له الصراعات والخصومات دون ان يرغب أو دون ان ينتبه، تطحنه، تركله، يتوجع، يمرض، ييأس، يقاوم، يكره، يحب، يذبل، يعود كما كان قبل الأربعين، لا شيء له ولا شيء عنده! لا يرغب المرء المقبل على الأربعين في التفكير عن جواب: ماذا تحقق وماذا يريد؟ ما عاد عنده عمر يوازي الذي مرّ، وما عاد فيه جموح الأحلام الذي كان يوزّه ويهزه ويشعل أفكاره وطاقاته. يريد فقط ان ينسى الأربعين التي مرّت! فيا ليت الأربعين لا تأتي، وليت شباب ما قبل الأربعين يدوم